دوّر يمكن تلاقي

بحث مخصص

الخميس، 29 سبتمبر، 2011

نهاية العالم.. والعالم منتهاش



كل عام وأنتم بخير..

هناك احتمالية أن يكون هذا آخر مقال لي هنا، أو في أي موقع أو جريدة أخرى، كذلك قد يكون آخر مقال تقرأه أنت عزيزي القارئ، فربما تكون الزلازل تضرب العالم وأنت تقرأ الآن، بينما البراكين تحرق الأخضر واليابس، والفيضانات تغرق الأودية والسهول، هنا دعني أحييك على إصرارك على الاستمرار في القراءة بينما العالم ينهار من حولك، أنت بطل!

كل عام وأنتم بخير، فقد تكون هذه هي نهاية العام 2011 الذي طالب الكثيرون بانتهائه بعد مايو الماضي، وبعضهم طالب بوضع حد له بعد شهرين من بدايته، ذلك العام الذي بدأ بانفجار كنيسة القديسيّن مع أول دقائق يومه الأول، ولا زال يتحفنا كل يوم بكارثة جديدة.
رغم أننا لا ننسى طبعًا حسنة هذا العام، الذي أسقط أنظمة عربية مستبدة، غاشمة، دموية، ما ظن أحد أنهم بزائلين إلا مع زوال العالم نفسه!!

 لكن تلك النهاية المزعومة -التي يؤكدها فيديو غامض لبروفيسور أكثر غموضًا، والتي تنفيها وكالة ناسا مؤكدة أن الأمر كله محض هراء علمي- حينما تأتي بعد الثورة المصرية، فإننا يجب أن نراها بصورة مختلفة ومن زاوية أخرى، مثلا:

1- طبعًا نهاية العالم هي من مساوئ الحياة بدون مبارك، الذي كان يحمي كوكب الأرض من المذنبات الضالة المسعورة، وكان يفرض سيطرته على الفضاء الخارجي فلا يجرؤ زحل أن يتظاهر بأنه هلال!! فعلا ولا يوم من أيامك يامبارك..

2- من المزاعم الأخرى، أن هذا المذنب سيخفي الشمس في كسوف دائم لثلاثة أيام، وهذا الأمر سهل تكذيبه، حيث أن الإعلان الدستوري ينص على عدم إخفاء الشمس أكثر من يوم، ولا يجوز تمديد المدة إلا باستفتاء شعبي عام، أو بإرادة المجلس العسكري، الذي يتمتع بقدرة خارقة على التمديد دون مساعدة من أحد!!

3- ليس من العدل أن تأتي نهاية العالم قبل أن نعرف الإجابة عن الأسئلة الكونية المصيرية على شاكلة: هل تمتلك الداخلية قناصة؟ هل سيدان مبارك في محاكمته أم سيموت قبلها؟ ماذا قال علاء لجمال في اللحظات الأخيرة داخل القصر الجمهوري؟ هل ستجرى انتخابات البرلمان في موعدها؟ من أين يشتري الفريق شفيق بلوفراته؟! وهكذا..

4- بعض القوى السياسية نفت أن تكون نهاية العالم يوم 26 سبتمبر لثقتهم أن الانتخابات أولا، ويهددون بالتظاهر في مليونية جمعة تصحيح مسار "المُذنب"، إذا وقعت النهاية لأن ذلك ما هو إلا التفاف على نتيجة الاستفتاء والشرعية!

5- حينما سألوا بعض مرشحي الرئاسة عن رأيهم في نهاية العالم، كان رأي الشيخ حازم أبو إسماعيل أنها نهاية مُدبرة من المجلس العسكري وعلى الشعب أن يستعد، بينما أعرب عمرو موسى عن قلقه وطالب بضبط النفس، في حين أكد البرادعي أننا يجب ألا نخاف من النهاية ونسعى لإحداث تغيير مفيد لمستقبل مصر، بعد نهاية العالم!

6- نهاية العالم نبوءة يهودية وهذا المُذنب فوتوشوب – نقلا عن عمرو مصطفى!

7- رغم أن وكالة ناسا نفت تلك المزاعم، إلا أن أي ماسوني يحترم نفسه سيؤكد أنها تخفي الحقيقة عن العالم، كي تهرب في سفن النجاة العملاقة، التي كشف عنها فيلم 2012، تأليف: أحمد زبايدر!

8- من ناحية أخرى فإنها مؤامرة تمت بالاتفاق بين تامر حسني ومجلس النيازك، لضرب ألبوم عمرو دياب الذي سيطرح في الأسواق بعد نهاية العالم، انتقامًا لشعبية تامر التي راحت في الحضيض بعد أن غرغروا به في الثورة، بينما فلت دياب بل وعمل أغنية كمان!!

9- يظن البعض أن 2011 قد حقق لهم كل ما يتمنوه في الدنيا، قاموا بالثورة، وأطاحوا بمبارك، ثم سجنوه هو ونظامه، بعدها رأوه داخل القفص يلعب في أنفه كأي متهم يُنكر الاتهامات كاملة، ثم سمعوا الحكم بالسجن 10 سنوات على إمبراطور الحديد أحمد عز، وفي النهاية ذهب المشير طنطاوي للإدلاء بشهادته -وقال معرفشي ميحكمشي- قبل نهاية العالم بيوم، إذن لم يبق سوى إنزال الستار!!

10- بعض المتفائلين يرون أن هذا الجرم السماوي بشرى للخير، حيث أنه "مُذَنَّب"، وهو ما يعني أن مبارك "مُذْنِب" بعون الله، وسيلقى جزاءه، أتمنى فقط ألا يكون جزاؤه هو انهيار العالم كله فوقه!!

لكن رغم كل ذلك فالأكيد أن نهاية العالم لا تعني يوم القيامة، حتى لو وقعت الكارثة، فربما انتهت حضارة عفنة، يقوم عليها ملوك وأمراء ورؤساء فسدوا وأفسدوا وبطشوا وجاسوا خلال الديار، وحان الوقت للبدء من جديد على نظافة، والله أعلم!

السبت، 3 سبتمبر، 2011

الآن أكــتــب...

 أ/ أحمد مصطفى عبد القادر المصري
7 مايو 1925 ميلادية - 16 أغسطس 2011 ميلادية
تصويري في 11 مايو 2011


الآن أكتب..
لأن الرغبة في الكتابة لا تموت.. لكن القدرة على الكتابة هي التي تفعل..
لا أعرف تحديدًا ما الذي سأكتبه.. 
فكّرت أن أكتب عمّا يجيش بداخلي من مشاعر مضطربة لا أفهمها.. لكنني توقفت عند تساؤل مهم: كيف سأكتب عمّا لا أعرف؟
هناك بعض المقولات الخرقاء التي لم أكن أومن بها في السابق.. عن الفرحة الشديدة التي تصيب الإنسان في وقت من أوقات حياته، فيمشي في الأرض مرحًا، غير مُدرك أن الفرحة في الحياة هي الاستثناء، بينما القاعدة هي أن تمشي مكبًا على وجهك حزينًا بائسًا وحيدًا مهما كثر العدد من حولك، ومهما أحاطت بك الأسماء..
الأسماء..
إن هي إلا أسماء سميتموها.. 
لم أكن أعتقد في ذلك.. حتى جاءت العلامات والدلالات.. فآمنت..
كانوا يقولون أن أمام كل روح تغادر جسدها، روح أخرى تعمّر جسدًا آخر وتبدأ معه رحلة في الحياة.. لكنني اكتشفت أن أمام كل روح تفارق جسدها، روح أخرى تموت داخل الجسد الحيّ.. فلا هي تركته يموت.. ولا هو عاش الحياة كما ينبغي له أن يعيشها..
حين أغلق باب الغرفة كي أنام تنتابني تلك القشعريرة العجيبة التي لم أكن أعرفها من قبل..
لقد صرت وحيدًا ياولدي.. الغرفة التي كان يشاركك فيها ذلك العجوز الطيب قد صارت لك.. فارقك العجوز ليسكن غرفة أخرى لن يتركها إلا بقيام الساعة..
تتقافز في ذهني الذكريات..
في مثل هذا الوقت كان ينهض ويطلب منك مساعدته للقيام من الفراش..
وفي مثل هذه الساعة كان يطلب الإفطار..
في الظهيرة كان يفتح الأكياس البلاستيك لتزعجك أصواتها.. كي يُخرج علبة الدواء ويتناول القرص الذي يتناوله منذ أن وعيت على دنياه.. أنت لا تعرف ما كنه هذا الدواء.. لا تعرف إن كان للقلب الذي لم يشك منه العجوز من قبل إلا محض تخيلات واهمة.. 
لا تعرف إن كانت للضغط أم الصداع.. هل كانت أقراص الشباب الدائم ومحاربة الشيخوخة؟ 
أنت حقًا لا تعرف..
الآن تتمنى أن تعرف.. لكنك قد صرت وحيدًا ياولدي.. فمن تسأل ليجيبك؟
حينما تحزم حقائبك في الفجر لتسافر، كان هو آخر من تودعه.. تنحني لتعانقه لأنه لم يعد قادر على رفع عنقه لأعلى.. 
في المرة الأخيرة كان منزعجًا لأنك لن تتناول الإفطار معه في رمضان.. فكنت تهدئ من روعه وتخبره أن ظروف العمل تقتضي هذا، وتعده أنك ستأتي في إجازة العيد..
هل قلت إن شاء الله؟
ربما لم تقلها..
لأنك لم تتعلم الوفاء بوعودك بعد ياولدي..
الآن أنت تحزم حقائبك وتنظر للغرفة الخالية.. تبحث عن معانقة الوداع المعتادة فلا تجدها.. تقف مترددًا قبل أن تطفئ النور وتغادر..
تتقافز في ذهني الذكريات..
كنت تضع حذاءك أسفل السرير بالكامل حتى لا يدوس عليه العجوز وهو يمشي الهوينى فيتعثر.. والآن تخلعه وتدسه أسفل السرير ثم تتوقف.. وتخرجه وتضعه في أي مكان.. 
مرحى.. لقد صرت وحيدًا ياولدي..
حين اشتد عليه المرض يومًا منذ سنوات.. قال لك أنه يدعو الله ألا يموت إلا بعد أن يراك وقد تخرجت من الجامعة وصرت حاملا لشهادة عليا.. كنت تظن وقتها أن عمره قد ارتبط بتخرجك.. كنت تخشى الوقت الذي تتخرج فيه..
يوم أن حملت شهادة التخرج إليه كنت تريد أن تسعده.. لكن قلبك كان يخفق قلقًا.. هل تتحقق النبوءة الآن؟
بالله عليك قل لي.. لماذا تتخرج وأنت تعرف أنك ستفقده بذلك؟
كن سعيدًا إذن.. فقد صرت وحيدًا ياولدي..
اللغز الذي حيّرك لسنوات طوال صرت تعرف حلّه..
لماذا كان يخشى العجوز من إغلاق باب الغرفة عليكما وهو نائم، بينما أنت تبغى الهدوء كي تكتب أو تقرأ أو حتى تنام بعمق؟
حتى لا تعتريه تلك القشعريرة التي تعتريك الآن..
ربما أنت أقوى وأصغر سنًا لذلك تتحملها.. لكنه لم يكن ليتحملها..
تتقافز في ذهني ذكريات أبعد..
مخاوفك وأنت تنام في الغرفة المجاورة له في منزله القديم، وتسللك في الليل لتلقي عليه نظرة تتأكد منها أنه على قيد الحياة.. الصدر الذي يعلو بالشهيق ويهبط بالزفير يخبرك أنه هنا.. وأنك لم تفقده بعد..
الطعام الذي كان يعده كي تجده جاهزًا حين تعود من الكلية.. 
الإفطار الذي كنت تشتريه ساخنًا لتتناولاه سويًا في يوم الإجازة..
لم يكن له ابن ولا زوجة فكنت أنت ابنه الذي لم ينجبه.. فهل كنت بارًا بوالدك؟
تضع رأسك في ذات الموضع الذي شغلته رأسه.. فترتجف..
تتساءل بداخلك عن السبب الذي يدفعك أن تفعل ذلك، لكنك -حقًا- لا تعرف..
حتى هذه الكلمات..
لا تعرف لماذا تكتبها.. ولمن تكتبها..
هل هي رثاء؟ هل هي ما كنت تريد كتابته؟
لست أعرف إطلاقًا..
أتذكر فقط حين اشتد مرضه يومًا منذ فترة قصيرة.. وظللت ساهرًا إلى جواره أمرّضه، فأغفو بين الفينة والأخرى، ثم أفيق.. ثم أغفو.. فيطلب مني ألا أنام..
"متسبنيش وتنام لحسن أتعب لوحدي ومحدش ينجدني"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
وتتردد الكلمة في عقلي بلا نهاية.. لا تتوقف لحظة..
لكنني تركته وذهبت.. 
وحين عدت، كان هو قد ذهب وتركني..
جلست إلى جواره أربت على جسده الهامد.. الجامد.. البارد.. فأسمع الكلمة تتردد من جديد..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
يغمره الماء في الصباح فتنفرج أجفانه عن حدقتيه الخاويتين من الحياة.. فأجدهما مثبتتين عليّ.. وتتردد الكلمة..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
 أحمله مع الحاملين وأضعه في صحن المسجد.. أجلس إلى جواره.. أربت على جسده الذي لم يعد ظاهرًا.. أضع ذراعي حول كتفه.. وبعد صلاة الجنازة أرتدي حذائي بسرعة وأندس في السيارة إلى جواره.. تتردد الكلمة مجددًا بضراوة أشد..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
ألف ذراعي على كتفيه.. أخي يقرأ القرآن في الجهة الأخرى.. نمسك به جيدًا حماية من الاهتزازات.. أنظر في وجهه المختفي تحت الكفن.. فاكاد أراه ينظر لي ويتمتم بسرعة أكبر..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
أجد نفسي أتمتم بصوت لم أسمعه بنفسي..
"مش هسيبك"
يتناوله ذلك الرجل الذي لا يعرفه ولا أعرفه، ويدسه في الأرض التي فتحت فاها للجسد المخلوق منها والعائد إليها.. ينهال عليه بالتراب، فأقبض على حفنة منه وألقيها إلى جواره من هنا ومن هناك.. وتزداد الكلمة ترددًا في ذهني.. تنهمر دموعي بلا توقف ويرتفع نشيجي.. يُغطى القبر بألواح الخشب لوحًا تلو آخر..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
يحاولون إبعادي بينما لا أستجيب لهم.. قدماي لا تستجيبان..
لا أعرف من يصافحني ومن يعزيني ومن يشد من أزري..
أبي يحتضنني ويطلب مني أن أكون قويًا.. أنا لا أريد أن أكون قويًا.. أنا فقط أريد لهذه الكلمة أن تتوقف.. لا أريد أن أتركه..
يبعدونني رويدًا.. أنظر خلفي وقد أغلقت الأرض أبوابها.. 
أقول بهمس: مش هسيبك..
ثم أتذكر حين أخرج من باب المدافن أنني لم أقل إن شاء الله..
وأنني لم أتعلم الوفاء بوعدي له.. 
وأنني لن أتعلم ذلك..

****

لا تزال هناك كلمات محشورة لا تعرف طريقًا للظهور..
لكنها قد تخرج حين تجد الفرصة التي وجدتها كلمات اليوم..








Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...