دوّر يمكن تلاقي

بحث مخصص
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٣ سبتمبر ٢٠١١

الآن أكــتــب...

 أ/ أحمد مصطفى عبد القادر المصري
7 مايو 1925 ميلادية - 16 أغسطس 2011 ميلادية
تصويري في 11 مايو 2011


الآن أكتب..
لأن الرغبة في الكتابة لا تموت.. لكن القدرة على الكتابة هي التي تفعل..
لا أعرف تحديدًا ما الذي سأكتبه.. 
فكّرت أن أكتب عمّا يجيش بداخلي من مشاعر مضطربة لا أفهمها.. لكنني توقفت عند تساؤل مهم: كيف سأكتب عمّا لا أعرف؟
هناك بعض المقولات الخرقاء التي لم أكن أومن بها في السابق.. عن الفرحة الشديدة التي تصيب الإنسان في وقت من أوقات حياته، فيمشي في الأرض مرحًا، غير مُدرك أن الفرحة في الحياة هي الاستثناء، بينما القاعدة هي أن تمشي مكبًا على وجهك حزينًا بائسًا وحيدًا مهما كثر العدد من حولك، ومهما أحاطت بك الأسماء..
الأسماء..
إن هي إلا أسماء سميتموها.. 
لم أكن أعتقد في ذلك.. حتى جاءت العلامات والدلالات.. فآمنت..
كانوا يقولون أن أمام كل روح تغادر جسدها، روح أخرى تعمّر جسدًا آخر وتبدأ معه رحلة في الحياة.. لكنني اكتشفت أن أمام كل روح تفارق جسدها، روح أخرى تموت داخل الجسد الحيّ.. فلا هي تركته يموت.. ولا هو عاش الحياة كما ينبغي له أن يعيشها..
حين أغلق باب الغرفة كي أنام تنتابني تلك القشعريرة العجيبة التي لم أكن أعرفها من قبل..
لقد صرت وحيدًا ياولدي.. الغرفة التي كان يشاركك فيها ذلك العجوز الطيب قد صارت لك.. فارقك العجوز ليسكن غرفة أخرى لن يتركها إلا بقيام الساعة..
تتقافز في ذهني الذكريات..
في مثل هذا الوقت كان ينهض ويطلب منك مساعدته للقيام من الفراش..
وفي مثل هذه الساعة كان يطلب الإفطار..
في الظهيرة كان يفتح الأكياس البلاستيك لتزعجك أصواتها.. كي يُخرج علبة الدواء ويتناول القرص الذي يتناوله منذ أن وعيت على دنياه.. أنت لا تعرف ما كنه هذا الدواء.. لا تعرف إن كان للقلب الذي لم يشك منه العجوز من قبل إلا محض تخيلات واهمة.. 
لا تعرف إن كانت للضغط أم الصداع.. هل كانت أقراص الشباب الدائم ومحاربة الشيخوخة؟ 
أنت حقًا لا تعرف..
الآن تتمنى أن تعرف.. لكنك قد صرت وحيدًا ياولدي.. فمن تسأل ليجيبك؟
حينما تحزم حقائبك في الفجر لتسافر، كان هو آخر من تودعه.. تنحني لتعانقه لأنه لم يعد قادر على رفع عنقه لأعلى.. 
في المرة الأخيرة كان منزعجًا لأنك لن تتناول الإفطار معه في رمضان.. فكنت تهدئ من روعه وتخبره أن ظروف العمل تقتضي هذا، وتعده أنك ستأتي في إجازة العيد..
هل قلت إن شاء الله؟
ربما لم تقلها..
لأنك لم تتعلم الوفاء بوعودك بعد ياولدي..
الآن أنت تحزم حقائبك وتنظر للغرفة الخالية.. تبحث عن معانقة الوداع المعتادة فلا تجدها.. تقف مترددًا قبل أن تطفئ النور وتغادر..
تتقافز في ذهني الذكريات..
كنت تضع حذاءك أسفل السرير بالكامل حتى لا يدوس عليه العجوز وهو يمشي الهوينى فيتعثر.. والآن تخلعه وتدسه أسفل السرير ثم تتوقف.. وتخرجه وتضعه في أي مكان.. 
مرحى.. لقد صرت وحيدًا ياولدي..
حين اشتد عليه المرض يومًا منذ سنوات.. قال لك أنه يدعو الله ألا يموت إلا بعد أن يراك وقد تخرجت من الجامعة وصرت حاملا لشهادة عليا.. كنت تظن وقتها أن عمره قد ارتبط بتخرجك.. كنت تخشى الوقت الذي تتخرج فيه..
يوم أن حملت شهادة التخرج إليه كنت تريد أن تسعده.. لكن قلبك كان يخفق قلقًا.. هل تتحقق النبوءة الآن؟
بالله عليك قل لي.. لماذا تتخرج وأنت تعرف أنك ستفقده بذلك؟
كن سعيدًا إذن.. فقد صرت وحيدًا ياولدي..
اللغز الذي حيّرك لسنوات طوال صرت تعرف حلّه..
لماذا كان يخشى العجوز من إغلاق باب الغرفة عليكما وهو نائم، بينما أنت تبغى الهدوء كي تكتب أو تقرأ أو حتى تنام بعمق؟
حتى لا تعتريه تلك القشعريرة التي تعتريك الآن..
ربما أنت أقوى وأصغر سنًا لذلك تتحملها.. لكنه لم يكن ليتحملها..
تتقافز في ذهني ذكريات أبعد..
مخاوفك وأنت تنام في الغرفة المجاورة له في منزله القديم، وتسللك في الليل لتلقي عليه نظرة تتأكد منها أنه على قيد الحياة.. الصدر الذي يعلو بالشهيق ويهبط بالزفير يخبرك أنه هنا.. وأنك لم تفقده بعد..
الطعام الذي كان يعده كي تجده جاهزًا حين تعود من الكلية.. 
الإفطار الذي كنت تشتريه ساخنًا لتتناولاه سويًا في يوم الإجازة..
لم يكن له ابن ولا زوجة فكنت أنت ابنه الذي لم ينجبه.. فهل كنت بارًا بوالدك؟
تضع رأسك في ذات الموضع الذي شغلته رأسه.. فترتجف..
تتساءل بداخلك عن السبب الذي يدفعك أن تفعل ذلك، لكنك -حقًا- لا تعرف..
حتى هذه الكلمات..
لا تعرف لماذا تكتبها.. ولمن تكتبها..
هل هي رثاء؟ هل هي ما كنت تريد كتابته؟
لست أعرف إطلاقًا..
أتذكر فقط حين اشتد مرضه يومًا منذ فترة قصيرة.. وظللت ساهرًا إلى جواره أمرّضه، فأغفو بين الفينة والأخرى، ثم أفيق.. ثم أغفو.. فيطلب مني ألا أنام..
"متسبنيش وتنام لحسن أتعب لوحدي ومحدش ينجدني"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
وتتردد الكلمة في عقلي بلا نهاية.. لا تتوقف لحظة..
لكنني تركته وذهبت.. 
وحين عدت، كان هو قد ذهب وتركني..
جلست إلى جواره أربت على جسده الهامد.. الجامد.. البارد.. فأسمع الكلمة تتردد من جديد..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
يغمره الماء في الصباح فتنفرج أجفانه عن حدقتيه الخاويتين من الحياة.. فأجدهما مثبتتين عليّ.. وتتردد الكلمة..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
 أحمله مع الحاملين وأضعه في صحن المسجد.. أجلس إلى جواره.. أربت على جسده الذي لم يعد ظاهرًا.. أضع ذراعي حول كتفه.. وبعد صلاة الجنازة أرتدي حذائي بسرعة وأندس في السيارة إلى جواره.. تتردد الكلمة مجددًا بضراوة أشد..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
ألف ذراعي على كتفيه.. أخي يقرأ القرآن في الجهة الأخرى.. نمسك به جيدًا حماية من الاهتزازات.. أنظر في وجهه المختفي تحت الكفن.. فاكاد أراه ينظر لي ويتمتم بسرعة أكبر..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
أجد نفسي أتمتم بصوت لم أسمعه بنفسي..
"مش هسيبك"
يتناوله ذلك الرجل الذي لا يعرفه ولا أعرفه، ويدسه في الأرض التي فتحت فاها للجسد المخلوق منها والعائد إليها.. ينهال عليه بالتراب، فأقبض على حفنة منه وألقيها إلى جواره من هنا ومن هناك.. وتزداد الكلمة ترددًا في ذهني.. تنهمر دموعي بلا توقف ويرتفع نشيجي.. يُغطى القبر بألواح الخشب لوحًا تلو آخر..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
يحاولون إبعادي بينما لا أستجيب لهم.. قدماي لا تستجيبان..
لا أعرف من يصافحني ومن يعزيني ومن يشد من أزري..
أبي يحتضنني ويطلب مني أن أكون قويًا.. أنا لا أريد أن أكون قويًا.. أنا فقط أريد لهذه الكلمة أن تتوقف.. لا أريد أن أتركه..
يبعدونني رويدًا.. أنظر خلفي وقد أغلقت الأرض أبوابها.. 
أقول بهمس: مش هسيبك..
ثم أتذكر حين أخرج من باب المدافن أنني لم أقل إن شاء الله..
وأنني لم أتعلم الوفاء بوعدي له.. 
وأنني لن أتعلم ذلك..

****

لا تزال هناك كلمات محشورة لا تعرف طريقًا للظهور..
لكنها قد تخرج حين تجد الفرصة التي وجدتها كلمات اليوم..








الأربعاء، ٢٢ يونيو ٢٠١١

سَفَرٌ وشمسٌ وموت



ربما لن يقرأ أحد هذه الكلمات.. لأنني لن ألفت لها انتباه أي إنسان كما أفعل دومًا.. 
وطالما لن أُظهرها فلن ينتبه لها أحد.. 
وهذا أفضل..

*****
كنت في الماضي أحب الكتابة عن دواخلي.. أفراحي وأحزاني.. انشراح صدري ومكنونات قلبي..
لكنني صرت الآن مثقلا بما فيه الكفاية.. ما بداخلي تعاظم حتى صار كالجبال، فلم أعد أعرف لها مبتدى ولا منتهى..
صرت أكره السفر..
يقولون لي: سافر.. 
يقولون لي: البلد لم تستقر بعد.. سافر واصنع لك قرشين تنتفع بهم وقت ضيق ذات اليد..
يقولون لي ويقولون لي ثم يقولون لي..
لا أحد يدرك كم أكره السفر..
كم أكره الابتعاد عن الأحباب..
إنهم يتساقطون ولا أراهم إلا هابطين إلى جوف الظلمة المقبضة.. 
لماذا لا أكون إلى جوارهم فأقبلهم وأودعهم الوداع الأخير؟
لأنني على سفر.. أو تبعدهم عني المسافات..
الآن لم يبق منهم إلا قليلا.. 
آخر الأحباب -دومًا- أعظمهم..
فلماذا أسافر ثم أعود بعد فوات الأوان؟

*****

الشمس تقتلني ولا أطيقها في الصيف.. ولست أظن أن هناك من لا يشاطرني هذا الشعور..
تتسلط فوق رأسي وتظل محدقة بي.. تشعلني وتنتزع مني قطرات العرق عنوة.. فيتجفف داخلي وتتفاقم حاجتي لتبديد هذا الجفاف.. أبحث عن شيء يرويني ويفجر داخلي ينابيع الحياة.. لكن القطرات ما تدخل إلا كي تلتقطها الشمس مرة أخرى..
تحت الشمس سرت عائدًا من سفري وغصة تخنقني.. أشعر بباطن قدمي ملتهبًا.. لكنني لا أهتم..
لماذا أهتم؟
أصل للقرية بعد فوات الأوان -كالعادة- فأجد العيون المحمرة من أثر الإرهاق/ عدم النوم/ البكاء.. أصافح أقاربي وأحتضنهم.. تتجمد الدموع في عينيّ محاولا أن أبدو صلبًا..
أقف في مدخل المضيفة لأتلقى العزاء، وقد غابت الشمس وفرض الليل سطوته.. لكن رأسي لا تزال مشتعلة.. صارت تطرد كل ما اختزنته من حرارة طوال اليوم..
أيتها الشمس الكريهة صيفًا، المحبوبة شتاءً.. يكفي ما فعلتيه في الصباح فخذي حرارتك واتركيني الآن في سلام..

*****

المدينة الفاضلة..
لن تتواجد فوق الأرض..
المدينة الفاضلة تتنامى بداخلنا..
مدينتي الخاصة هي حيث يتواجد كل أحبابي..
وحتى هذه المدينة لن تتواجد..
فوق الأرض أو تحتها..
داخل أعماقي أو خارجها..
لأن الأحباب -على كثرتهم- ما صاروا هنا..

*****

سَفَرٌ طويل.. وشَمسٌ حارقة..
ثم مَوت!!

الثلاثاء، ٢٩ مارس ٢٠١١

تحت علم لظلوظيا - الحلقة الثانية

هذه القصة كتبتها لأول مرة كمسرحية لفرقة مسرح كلية الزراعة بالإسكندرية، في 2004، ولم نستطع وقتها أن ننجز هذا المشروع، لذلك حولتها قصة على أمل نشرها في مكان آخر، والآن بعد أن قامت الثورة، فقد أصبحت القصة من العصر البائد، والحمد لله أنها لم تتحقق على النحو الذي ستقرأوه بعد قليل.. القصة طويلة نوعًا لذلك قررت نشرها على حلقتين بإذن الله، وهذه هي الحلقة الأولى وأتمنى أن تروق لكم.
يمكن قراءة الحلقة الأولى من: هنا
تحت علم لظلوظيا
(الحلقة الثانية)

******

جريدة رئيس لظلوظيا القومية
الصفحة الأولى – إعلان هام

يعلن مجلس وزراء جمهورية (لظلوظيا) الحرة عن فتح باب التقدم لمنصب قيادي مهم في الدولة لمدة أسبوع من الآن.

شروط التقدم:

- أن يكون المتقدم ذكر، بالغ، متفرغ.
- أن يكون لظلوظي الجنسية، من أبوين لظلوظيين.
- أن يكون ذو اسم ثلاثي رنان.
- أن يكون صغير السن، كي يبقى في هذا المنصب لأطول فترة ممكنة.
- ألا يكون ملظلظ، يفضل الرفيع الذي لا يبدو على الأرض.
- ألا يكون من ذوى النشاط السياسي أو الحزبي (يستثنى من ذلك حزب لظلوظيا الوطني).
- أن يكون معه لغة أو اثنين على الأقل، وأن يكون يجيد اللغة اللظلوظية بحيث لا يكسر المبتدأ ولا ينصب الخبر..
- أن يكون من محبي الوطن الحر.

يتم التقدم بالطلبات إلى مبنى مجلس الوزراء، ويتم تقديم المقبولين للاختبارات الخاصة لهذا المنصب.

***********

جلس رئيس الوزراء خلف الطاولة العريضة إلى جوار لجنة الاختبارات المكونة منه ومن وزير الأمن ومساعديهما كي يستقبلوا المتقدمين، بعد أن أصبح عدد المتقدمين ثلاثة رجال وامرأة واحدة.. هذا قبل أن ينادي الحاجب على الأول، فدلف إلى الحجرة شاب متوسط الطول، بالغ الأناقة.. بادره رئيس الوزراء بسؤال فوري:
- اسمك الثلاثى إيه؟!
- (سمير علي الدوغري)..
- الدوغري؟! ولا ينفع مكوجي حتى!!
قالها رئيس الوزراء في سره، ثم رفع صوته مكملا:
- قولي يا سيد (دوغري).. أنت عارف جاي تشتغل إيه؟!
- لأ.. بس أنا ممكن أشتغل في أي منصب قيادي.. لأني طول عمري في المناصب القيادية.. كنت رئيس أصدقاء مكتبة المدرسة لحد إعدادي في مدرسة سان فيليب دو أنشانتيه الإعدادية المشتركة بنين.. وفي ثانوي كنت رئيس الشرطة المدرسية، أما في الكليـ...
- مشتركة بنين إزاي؟! بعدين مكتبة إيه وشرطة مدرسية إيه يا بني أنت؟! إحنا عاوزينك تبقى رئيس الجمهورية..
- رئيس مرة واحدة؟! طب إزاي؟!!! هنعمل ثورة في البلد ونحرق مترو الأنفاق؟!
- الرحمة يا رب.. لا يا بني كفاية حرايق البلد مش ناقصة.. كل ما في الأمر إن الريس مات وعاوزينك مكانه..
وقبل أن يبدي (الدوغري) مفاجأته بالأمر، هتف به وزير الأمن:
- تعرف علم لظلوظيا مضمونه إيه؟! انطق اعترف يا مجرم..
استدار (الدوغري) في رعب برأسه نحو علم (لظلوظيا)، الذي يتكون من خطوط طولية سوداء على خلفية بيضاء.. وأخذ يحملق فيه مليًا قبل أن يهتف بانتصار:
- أيوه.. دى فانلة اليوفنتوس.. كنت بحب ألبسها في حصة الألعاب..
تظهر خيبة أمل على وجه رئيس الوزراء وهو يقول بخمول:
- اللي بعده..
بينما قال وزير الأمن لمساعده:
- متنسوش ترموه في المعتقل لحد ما الاختبار يخلص..
هنا دلف شاب في أوائل العشرينات، يرتدي تي شيرت وبنطلون من الجينز، فسأله الوزير السؤال المعتاد، فأجاب:
- اسمي (سليمان بكر الخنفري).. اسم مش كول، لكن بيس أهو يمشي..
- مؤهلاتك إيه للمنصب القيادي؟!
- شوف يا مان أنا ممكن أمسك أي حاجة.. كنت ماسك اللجنة الاجتماعية في اتحاد الطلبة أربع سنين في المودرن كوليج أكاديمي يونيفيرستي.. نظمت رحلتين لمدينة لظلوظيا بارك، ورحلة لبرج لظلوظيا القزم..
- اشتغلت رئيس جمهورية قبل كده؟!
تنحنح (الخنفري) وأجاب بعدم فهم:
- امبوسيبول.. ودي هشتغلها فين يا مان؟
- طب قولي علم لظلوظيا دا بيدل على إيه؟
- الأبيض هو لون السلام والأسود اللي فوقيه لون الحروب والاستعمار المطين بستين طين..
رئيس الوزراء: اللى بعده..
وزير الأمن: في المعتقل..
هذه المرة دخلت سيدة، في أوائل الثلاثينيات، ترتدى منظار طبي سميك العدسات، نظرت لهما دون كلمة، بينما سألها رئيس الوزراء عن اسمها، فأجابت:
- (نازك سيد لاظوغلي)..
- أنتي جاية من الآستانة على هنا ولا إيه؟!!
- نعم؟؟!!
- الوزير بيسألك عن مؤهلاتك يا مدام (نازك)!!
- آنسة لو سمحت.. ده أولا.. ثانيًا أنا مديرة للحركة النسائية نحو تصحيح الأوضاع..
- تقدري تعرفي في كام رئيس جمهورية لبلدنا؟!
- كام؟! على ما أذكر من كتب التاريخ القديمة هما تلاتة.. اتنين من أيام المماليك تقريبًا، ورئيسنا الحالي..
- تقدري تقوليلى علم لظلوظيا ده بيدل على إيه؟!
- طبعًا.. بيدل على قمع الحريات النسائية، والخطوط السوداء القليلة دي بتدل على قهر الرجال اللي بدأ ينحسر طول ما في مرأة مثقفة وواعيـ..
- خلاص يا آنسة (نازك) إحنا متشكرين على تعبك تقدري تتفضلي.. اللي بعدها..
وزير الأمن:
- وعلى المعتقـ... لا.. دي على مستشفى المجانين ومتطلعش خالص..
ثم التفت لرئيس الوزراء متسائلا:
- هو صحيح علم لظلوظيا ده بيدل على إيه؟!
- حتى أنت يا معالي الوزير؟!
- طب وأنا هعرف منين؟! أنا هقضي على الجريمة ولا أقعد أعرف العلم بتاعنا مدلوله إيه؟
- خلاص هبقى أقولك بعد ما نخلص..
هنا دخل رجل يبدو على وجهه تعبير الاشمئزاز دونما سبب واضح، فسأله رئيس الوزراء عن اسمه، ليجيب قائلا:
- اسمى (مجدي فكري مجدي).. اللهم لا اعتراض..
- يا ساتر.. طب مؤهلاتك إيه يا أستاذ (مجدى) للمناصب القيادية؟!
- مفيش.. أنا ماليش في المناصب القيادية.. أنا مؤمن بالليبرالية..
- أمال جاي هنا ليه؟! ودخل الليبرالية إيه في اللي قلناه؟
- مجرد تجربة بخوضها وخبرة جديدة من خبرات الحياة بضيفها ليا.. بعدين الليبرالية دي في كل حاجة.. حتى الطبيخ فيه ليبرالية..
- طب قولي يا أستاذ ليبرالى تعمل إيه لو اتعرض عليك منصب رئيس جمهورية؟
- هفكر طبعًا.. وغالبًا هرفض..
حاول رئيس الوزراء أن يكبت غيظه فصمت قهرًا، فألقى السؤالَ وزيرُ الأمن هذه المرة:
- علم لظلوظيا بيدل على إيه؟!
- بيدل على تخلف الفكر اللظلوظى.. العالم كله بالألوان.. التليفزيونات والسينما وأعلام الدول الأخرى.. يا راجل دي ساحل العاج علمها  ملون وإحنا لسه أبيض وأسود.. ولسه.. هنتراجع أكتر..
- متشكرين على اهتمامك يا أستاذ (مجدى)..
ثم التفت وزير الأمن لمساعده وقال:
- ورا الشمس عدل..
سرعان ما هتف رئيس الوزراء بعد خروج المفكر الليبرالي:
- كده كفاية.. أنا مستقيل وتولع البلد..
- بلاش يأس يا فندم.. لسه فيه أمل..
- مفيش خلاص.. اجمعلي الوزرا تاني.. الموضوع لازم يتحل بطريقة تانية..
- طب وألوان العلم معاليك..
-...................................

***********

جلس الوزراء مرة أخرى في حجرة اجتماعاتهم، وهم لا يعرفون ماذا حدث.. ثم دلف رئيس الوزراء محني الظهر من الهم، قبل أن يجلس ويقول:
- بصوا بقى يا إخوانا.. موضوع الإعلان ده فاشل.. ومن غير ما نوضح طبيعة المنصب محدش هييجي مناسب أبدًا..
قال وزير البيزنس:
- طيب نعمل إيه معاليك.. نستورد رئيس من بلد تانية؟!
- كمان هنستورد رئيس مش مكفيك كل اللي بنستورده.. كمان يا جماعة مش معقول هنفضل كل ده من غير رئيس.. الدول التانية بدأت تقلق.. والمعارضة مش سايبانا في حالنا.. والصحافة شغالة على ودنه وعمالة تسأل عن صحة الرئيس وهنتقفش قريب..
- الصحفي اللي بيسأل عن صحة الرئيس ده ممكن نبهدل أهله بس أنت تأشر معاليك..
وقبل أن يجيب رئيس الوزراء، انفتح باب حجرة الاجتماعات فجأة، ودلف عبرها رجل صارم الملامح أشقر الشعر، فصاح به رئيس الوزراء:
- أنت رايح فين يا أخ.. فاكر نفسك داخل مولد؟
وضع الرجل يديه في جانبيه قائلا بتكبر:
- أنا أدخل أي مكان أنا عاوزه هنا.. أنا ابن الرئيس..
حملق فيه الجميع بذهول، قبل أن يسقط رئيس الوزراء فاقد الوعي..

***********

"من خمسة وتلاتين سنة، خرج بابي في رحلة للاتحاد السوفيتي قبل ما ينهار طبعًا.. كان بيقابل الرئيس السوفيتي وقتها.. قام الرئيس السوفيتي عزمه على كشرى سوفيتى من محلات (KGB – كشري جريجوري بافلوف).. الكشرى السوفيتى ده بقى بعيد عنكم بدل ما بيحطوا عليه شطة، بيحطوا عليه دقة فودكا بالخل والتوم.. وبابي أكل منه تلات أطباق وطبقين كمالة قام سِكر ومحسش بنفسه خالص.. ساعتها قابلته مامي (كاترينا) وبعد قعدة ظريفة عرفت إنه رئيس لظلوظيا.. قامت ضحكت عليه واتجوزته، بس لما فاق كان ناسي كل حاجة ورجع لظلوظيا، وساب مامي هناك بتقاسي المر، بس هي كانت واعية وعرفت تحتفظ بالقسيمة معاها.. وبعد تسع شهور بالظبط خلفتني.. بعدين لما كبرت قالتلي على الحقيقة.. لغاية الأسبوع اللي فات، لما حسينا إن بابي مبقاش بيظهر في التليفزيون عندكم كل خمس دقايق زي الأول، ولا بيطلع في الجرايد، قالتلي إنها حاسة إنه مات.. وقامت حجزتلي على أول طيارة نازلة عندكم.. بس.. وأديني جيت.."

انتهى ابن الرئيس من حكايته، وسط نظرات الوزراء التي لا زلت تحمل ذهولا عارمًا، بينما سأله وزير الأمن بشك:
- معاك بطاقة؟
- بطاقة رقم قومي كمان.. بس روسي طبعًا..
تأمل وزير الأمن البطاقة المكتوبة بالروسية، ثم أعادها له قائلا:
- ولو إني مش فاهم حاجة من الروسي.. بس فيها صورتك فعلا..
بينما قال رئيس الوزراء:
- أنت فعلا جيت في وقتك يا..... أنت اسمك إيه صحيح؟
- اسمي (بوريس).. وفعلا أنا جيت في وقتي.. أنا عارف إن بابي عنده أملاك كتير، وأنا جاي مخصوص علشان نصيبي أنا ومامي في الميراث.. بس يا ريت تخلصوني بسرعة عشان أنا سايب الكمبيوتر شغال في موسكو بيعمل دونلود، وعاوز أرجعله بسرعة..
ضحك رئيس الوزراء وسط دهشة الوزراء قبل أن يقول:
- دم فخامتك خفيف.. زي فخامته الله يرحمه..
التفت نحوه الوزراء في حدة، لكنه أكمل:
- بص بقى.. أنت مش راجع روسيا خلاص..
- نعم؟! والدونلود؟!! لاااااااا ده أنا بنزل فيفا 2010.. ده أنا أطربقها عليكم.. يعني إيه مش هرجع؟! ده أنا أبويا كان رئيس جمهورية.. ولا هو عشان مات يعني..
- يا عم اهدا بس.. أنت مش هترجع روسيا عشان عاوزينك هنا في مهمة أكبر.. أنت اللي هتبقى رئيس لظلوظيا يا (بوريس) مكان بابي..
- نعم؟!
- أيوه.. لظلوظيا محتاجالك يا بني..
- بس أنا مش لظلوظي..
- أنت من اللظلوظيين يا (بوريس) صدقنى .. أنت ابنه.. وجحا أولى بلحم توره..
- مين جحا ده؟
- سيبك أنت.. استعد يا بطل لتسلم مهامك الرئاسية..
هنا صاح وزير الأمن:
- طب منين (بوريس) ومنين يبقى الرئيس؟!!
فكر رئيس الوزراء قليلا، قبل أن يقول فجأة:
- نغير اسمه.. أنت من اللحظة دي يا (بوريس) هيبقى اسمك (عتريس).. مفرقتش كتير أظن.. حتى كمان الاسم لايق: سيادة الرئيس (عتريس)..
- بس أنا........
- مفيش بس.. ألف مبروك فخامتك..

***********

أقيمت الأفراح في أنحاء جمهورية لظلوظيا، وأمسك (بوريس) الذى صار (عتريسًا) مقاليد الحكم.. وأصر على وجود نفس الوزراء لخبرتهم الكبيرة.. قبل أن يخرج في التلفزيون ليلقي كلمته بمناسبة توليه السلطة:

" أبناء الشعب اللظلوظي الملظلظ، لم تكن في نيتي أن أرث الحكم بعد والدي رئيس لظلوظيا المحبوب، ولم أسع إليه مطلقًا، وقد أكدت ذلك في جميع (حواراتي) الصحفية والتلفزيونية لكن الأمة تحتاجني.. ولا يمكنني أن أرفض على الرغم من الداونلود اللي سايبه في مو..... إ... على الرغم من كل مشغولياتي والبيزنس الذي أقوم به.. نداء لظلوظيا يعلو فوق الجميع..

ومن النهاردة كل حاجة هتتغير.. هفتح السجون وأطلع المسجونين يعيشوا حياتهم يومين كفاية كده عليهم، وطوابير العيش هتختفي، والعيش هيوصل للمنازل ديليفري مجانًا مقابل تمن العيش بس واللي هتوصله محلات بيتزا هت لضمان وصول العيش سخن..

الأسعار هتنزل وهربطها بالأجور ويشدوا بعض بقى براحتهم، والجنيه اللظلوظي هترتفع قيمته، وفي خلال خمس سنين هيبقى الجنيه اللظلوظي بتلاتين دولار أمريكي ويبقى قولوا ساعتها (بوريـ...إ.. عتريس) قال..

أزمة المرور هتتحل.. هشيل إدارة المرور كلها، أنا شايف سواقين الميكروباص أجدع وبينظموا المرور أسهل، وهما دول اللي هيكونوا إدارة المرور الجديدة..

الأمن هيرجع للشارع اللظلوظي، محدش هيمشي في شارع ضلمة ويخاف، لأن كل الشوارع هتنور، واحتياطي كل واحد يمشي معاه كشاف، واللي يتثبت يخليه واعي، ياخد اسم الحرامي وتليفونه ويبلغ عنه.. كفاية سلبية وخوف..

أحب أأكد كمان على أن سياستنا الخارجية لن تتغير.. بالذات مع المحتلين اللي على حدود لظلوظيا الشرقية.. هما أعدائنا وأعداء اللي خلفونا، واللي يرشنا بالمية أرشه بالبنزين..

وبمناسبة البنزين، خطتي تقتضي تغير نوع العربيات اللي بتمشي بالبنزين وهنجيب عربيات تمشي بالسبرتو.. الإزازة حلوة وبنص جنيه لظلوظي وتمشي العربيات دي لحد أول الشارع، يعني كرتونة سبرتو توصلكم المكان اللي أنتوا عايزينه..

في النهاية أحب أأكد إني مش هقعد في الحكم كتير.. يدوب سنتين تلاتة لحد ما الأمور تتظبط وكله يبقى تمام، وأرجع بقى أشوف اللي أنا سايبه ورايا ده.. أكيد هتكون فيفا 2015 نزلت بس ده مش موضوعنا.. وهبقى أغير الدستور عشان ضمان أني مقعدش في الحكم كتير..

في النهاية أحب أدعو الشعب اللظلوظي كله لحضور الاحتفال الخاص بتنصيبي رئيس لظلوظيا النهاردة الساعة تسعة، وهيحيي الحفل الفنان اللظلوظي العالمي (عبد الباسط دياب)..

وإلى لقاء آخر يا شعب لظلوظيا العظيم.. "

وحين جاءت الساعة التاسعة ظهر المطرب العالمي على المسرح ورفع عقيرته بغناء إحدى أغنياته المفضلة لدى الشعب:

"كلهم بيقولوا كده في الأول.. والكلام الحلو بيتحول.. البراءة والحنان واللي ياما اتقال زمان.. كل ده دلوقتي بان.. كل ما الأيااااااااااااام تطول"

وخلفه صفق الشعب لظلوظيا الحرة بكل حماس..

***********

وفي مكان بعيد عن الاحتفالات، كان (الدوغري) يصرخ – في إحدى الزنزانات – بألم شديد:
- آآآآآآآآي.. يا عالم صدقوني مكنتش أعرف إنكم عاوزين رئيس.. حرااااااااااااااااااامت..
بينما تهوي السياط على ظهره.. وفي الزنزانة المجاورة كان (الخنفري) يصيح بنفس الألم:
- خلاااااااص.. عرفت الصح.. الأبيض لون الحروب والأسود هو لون السلام.. طب الأبيض هو لون القماش والأسود هو لون البويا.. بس بلاش العصايا.. بلاش العصاياااااااااااااا..
أما (مجدي) فقد كان يتحسس جدران زنزانته بعد أن فقد بصره مرددًا:
- مش قلتلكم ولسه هنتراجع أكتر.. أهو العالم كله بقى أسود في أسود من حوالينا.. ولسااااااه..
أما في عنبر الخطيرات كانت الآنسة (نازك) تهتف:
- يسقط الرجل.. تسقط جلسات الكهرباااااااا.. المجد للمرأة..
ضحك وزير الأمن وهو يستمع إلى مساعده الذي ينقل له أخبار السجناء، قبل أن يقول:
- خليهم عبرة.. عشان يحرموا يفكروا بعد كده يشتغلوا رؤساء..
- طب هما مش المفروض يطلعوا زي ما الرئيس أمر بفتح السجون؟
- الرئيس قال السجون مش المعتقلات.. (عتريس) ده شكله خبيث وبيعرف ينقي كلامه كويس، والمساجين دول معتقلين سياسيين..
- بس هما مكنوش يعرفوا معاليك إنهم هيشتغلوا رئيس..
- القانون لا يحمي المغفلين يا حبيبي.. نياهاهاهاهاهاهاهاها

و تردد صدى ضحكته يكاد يشمل جمهورية لظلوظيا الحرة بأكملها..

***********

تـــــمـــــت


الجمعة، ٢٥ مارس ٢٠١١

تحت علم لظلوظيا - الحلقة الأولى



هذه القصة كتبتها لأول مرة كمسرحية لفرقة مسرح كلية الزراعة بالإسكندرية، في 2004، ولم نستطع وقتها أن ننجز هذا المشروع، لذلك حولتها قصة على أمل نشرها في مكان آخر، والآن بعد أن قامت الثورة، فقد أصبحت القصة من العصر البائد، والحمد لله أنها لم تتحقق على النحو الذي ستقرأوه بعد قليل.. القصة طويلة نوعًا لذلك قررت نشرها على حلقتين بإذن الله، وهذه هي الحلقة الأولى وأتمنى أن تروق لكم.

تحت علم لظلوظيا

(الحلقة الأولى)

اندفع وزير الأمن داخل القصر الرئاسي بجمهورية (لظلوظيا) الحرة، والقلق بادٍ على وجهه، فاستقبله رئيس الوزراء بقامته الفارعة في بهو القصر، ليقول بجزع:
- الحقني يا سيادة الوزير.. الحقني..
- خير يا معالي رئيس الوزرا؟!.. حصل إيه؟!
- الرئيس.. رئيسنا يا معالي الوزير في خطر..
- مين اللي جرؤ على تهديد أمن ومتانة وسلامة الرئيس؟!
قالها مستلا مسدسه وملوحًا به في جميع الاتجاهات، لكن رئيس الوزراء قال:
- مفيش حد يجرؤ أساسًا يعملها.. بس المرة دي اللي قدر يعملها هو المرض..
- غريبة.. أول مرة أسمع عن تنظيم إرهابي بالاسم ده..
- يا معالي الوزير بقولك المرض.. فخامة الرئيس مريض.. والدكتور عنده جوه بقاله ساعة ولسه مطلعش.. المرة دي الحالة خطيرة..
- بيني وبينك دي حاجة عادية.. مش غريب إنه يكون مريض.. ما أنت عارف هو عنده كام سنة..
- هسسسسس.. إيه يا بنى آدم.. الحيطان ليها ودان.. واليومين دول ليها مناخير وعيون.. أنت عاوز تتشال في التعديل الوزاري اللى جاي ولا إيه؟!
- معاليك ناسي إن المناخير والعيون والودان دي من اختصاصنا ولا إيه؟!.. على العموم أنا هسكت.. مش عاوز ألعب في عداد كرسي الوزارة..
- المهم دلوقتي.. هنعمل إيه في الكارثة دي؟!
- أنا بقول نستنى لحد ما الدكتور يطلع، ساعتها نعرف منه الحالة خطيرة أد إيه؟!
أخذ رئيس الوزراء يدور في أنحاء البهو وقد وافق على الاقتراح العبقري لوزير الأمن، باديًا على وجهه التفكير العميق والهم الذي ألقي على عاتقيه، ثم توقف فجأة حينما برز الطبيب هابطًا درجات السلم الرخامى، فهرعا سويًا إليه، قبل أن يسأله رئيس الوزراء بلهفة:
- خير يا دكتور.. طمنى وحياة والدك.. فخامته عنده إيه؟!
- الصراحة مش عارف..
أمسك وزير الأمن بتلابيبه هاتفًا:
- نعم يا أخويا؟!.. يعني إيه مش عارف؟! هو أنت دكتور ولا سبّاك؟!!
اتسعت عينا الطبيب في رعب، وهو يهتف مرتجفًا:
- دكتور يا باشا وحياتك، بعدين لو أعرف أقول على طول.. أنا بقالي ساعة بحاول.. في الأول كشفت على اللوز.. طلع شايلها من الابتدائية.. الجيوب الأنفية سليمة.. كشفت على عينيه، أى نعم نظره شيش بيش، بس مركب لينسيس وفل الفل.. قلت يا واد يا دكتور يمكن صدره هو اللي تعبان.. كشفت عليه، لقيته كويس.. قست نبضات قلبه، لقيتها معقولة.. رغم إنها بمعدل تلات نبضات فى الدقيقة.. بس شغالة.. قست ضغطه، لقيته يمشيه لحد آخر الشهر..
صاح به رئيس الوزراء في غل:
- مالك محسسني إنك بتتكلم عن موتور سخان؟!!.. إيه الحاجات الغريبة اللي بتتكلم عنها دي؟!
- أديك قلتها.. وغلاوتك يا بيه أنا كنت عامل زيك كده جوه.. بس أنا فضلت وراه عشان أعرف السبب.. كشفت على الأمعاء الدقيقة والغليظة لقيتها سليمة، المعدة شغالة هضم مية مية وكانت هتهضمني لولا لحقت نفسي.. حتى القصبة الهوائية عشرة على عشرة.. قمت نازل على الـ.....
قاطعه وزير الأمن بسرعة وحسم صائحًا:
- حيلك حيلك.. رايح فين تاني.. دى أسرار دولة يا باشمهندس..
- أنا دكتور حضرتك..
- كله محصل بعضه.. المهم دلوقتي هو عنده إيه؟!
- تاني يا باشا؟! أنا حاولت أعرف بس مفيش فايدة.. أنا من رأيي تعرضوه على دكتور..
- نعم؟! أمال سيادتك إيه؟! فالح بس ترد وتقول أنا دكتور أنا دكتور؟!!
- مش قصدي يا فندم، أقصد يعني دكتور متخصص.. ويستحسن يكون أجنبي كمان..
- طيب.. زق عجلك أنت.. دورك انتهى..
وما إن غادر الطبيب، حتى صاح رئيس الوزراء:
- حتى الطب فشل.. والعمل إيه دلوقتي؟!
هم وزير الأمن بإجابته، لكن كبير الياوران ظهر فجأة أعلى السلم الرخامي صائحًا:
- فخامة رئيس جمهورية (لظلوظيا) الحرة..
اعتدل الوزيران بسرعة رهيبة، واتخذا وضع الانتباه، بينما ظهر الرئيس مستندًا إلى ذراع خادمه، وقد بدا الإعياء واضحًا على وجهه، فأسرع رئيس الوزراء بالصعود لأعلى يتبعه وزير الأمن، صائحًا:
- ألف سلامة على صحة فخامتك..
- صحة إيه يا سيادة اللوا.. ما خلاص كله راح..
قال رئيس الوزراء بحماسة:
- مفيش حاجة راحت يا فخامة الرئيس.. كله تمام.. ده أنا عمرى ما شفت صحة فخامتك بالجمال ده من خمسة وخمسين سنة..
تنهد الرئيس وشرد ببصره قائلا:
- يااااه.. هما وصلوا خمسة وخمسين سنة؟! عدوا في لمح البصر.. كأني لسه ماسك الحكم إمبارح.. ساعتها استدعانى فخامة الرئيس إ............، هو كان اسمه إيه الرئيس اللي قبلي؟!
تنحنح رئيس الوزراء، وأجاب:
- إحم.. والله فخامتك أنا موعتش عليه..
- طب ما تشوف اسمه في كتب التاريخ يا أخي..
- إنجازات فخامتك غطت على كل التواريخ الهامة ومبقاش في مكان في (لظلوظيا) لكتب تانية..
- ما علينا.. كنا بنقول إيه؟!
- كنا بنقول يوم ما مسكت معاليك الحكم..
- أيوه صح.. يخرب بيت ذاكرتك الحديدية..
- دماغي كلها فداك يا ريس..
- لا خليهالك بس يبقى هاتلي دوا عدل للزهايمر اللي عندي ده.. المهم.. يومها استدعانى فخامته، وقاللي إن (لظلوظيا) محتاجة شاب كفاءة يخدمها صح.. ومات تاني يوم.. كان عنده حصبة ألماني بعيد عنكم.. ومسكت أنا الحكم..
- قصد فخامتك إن الحكم اتشرف بيك..
- أيًا كان.. المهم أني بقيت رئيس (لظلوظيا)، وبدأت أعمل كل اللي حلمت بيه للبلد.. أهم حاجة إني أجرت أوضة بمنافعها في هيلتون (لظلوظيا) وقضيت يومين عسل.. آآآآآآآه.. يا ليت الشباب يعود يومًا..
لاحظ رئيس الوزراء نظرة الحزن في عيني الرئيس فأسرع يقول:
- سيادتك حققت أعلى معدلات الرخاء للشعب اللظلوظى.. وفي عهدك المجيد قلت معدلات البطالة للنصف.. اللي مش بيشتغل يا إما بيتسجن على طول وأهو وزير الأمن يقولك السجون مليانة أد إيه بالعيال العواطلية.. أو يروح يدورله على بلد تانى تشغله إحنا كفاية علينا علمناه وصرفنا عليه دم قلبنا، بالتالي مبقاش في حد مبيشتغلش..
هنا قال وزير الأمن مزايدًا:
- فعلا معاليك.. حتى السجون المليانة مبقاش فيهم عواطلي واحد.. كلهم ما شاء الله بيشتغلوا وبيكسروا في الجبل ليل نهار.. ده غير إن فترة حكم فخامتك شهدت أمن وأمان تام.. فخامتك أقل رئيس لظلوظي يتعرض لمحاولات اغتيال.. ستة وأربعين محاولة اغتيال بس.. غير اللي أحبطتهم الوزارة في السر، وده دليل على حب الشعب لفخامتك..
رفع الرئيس أحد حاجبيه متسائلا:
- شعب؟! تقصد أي شعب فيهم؟!.. أنا عدت عليا شعوب كتير..
- كل أجيال لظلوظيا حبتك وبتحبك وهتحبك على طول..
عاد رئيس الوزراء يقول:
- كمان مكانة لظلوظيا العالمية تطورت كتير على إيدين فخامتك.. نظرة على حدودنا السياسية، أي نعم هي تقلصت بعض الشىء، بس ده في سبيل أمن لظلوظيا، ومكانة البلد في المحافل الرسمية.. حتى إن تقرير الجمعية التعاونية يؤكد على ازدياد شعبية فخامتك، واكتساحها لشعبية الرئيس الأمريكى..
ظهر الرضا على وجه الرئيس وهو يقول:
- فعلا فعلا.. تقارير الجمعية التعاونية دايمًا ممتازة، زي اللحمة بتاعتها.. بس أنت تقصد أي رئيس أمريكي؟! أنا عدى عليا رؤساء كتييير..
- مش هتفرق فخامتك.. كفاية إن مفيش حد فيهم استمر في مكانه زي فخامتك..
قال الرئيس:
- فعلا.. عندكم حق.. حيث كده بقى، يلا بينا نفتتح المشروع القومي لتلوين بيض شم النسيم..
تبادل الوزيران النظر، قبل أن يقول وزير الأمن بارتباك:
- إحم.. خلي فخامتك مستريح، وإحنا نبعت وزير التلوين يفتتحه بالنيابة عن سيادتك..
نظر له الرئيس في شك قبل أن يقول:
- طب أروح المسرح أحتفل بأعياد الانتصار الكبير..
ضحك رئيس الوزراء كأن الرئيس قال دعابة، وقال:
- ملوش لزوم فخامتك.. وزير الجيوش هيروح بدال سيادتك..
هنا صاح الرئيس فجأة:
- جرى إيه يا وزير منك له؟! إنتوا بتطرقوني ليه؟! إنتوا عاملين انقلاب ولا إيه ؟! لا يا حبيبي أنت وهو.. مش أنا الرئيس اللي يتعمل عليه انقلاب..
أسرع وزير الأمن يدرأ عنه التهمة في جزع قائلا:
- لا لا لا إطلاقًا.. كل ما فى الموضوع إننا عاوزين فخامتك تستريح.. الراحة دلوقتي أهم لمستقبل لظلوظيا..
لكن الرئيس كان قد استبد به الغضب، فصاح مجددًا:
- أنا زي الفل.. زي الحديد.. إذا كان في حد في لظلوظيا عاوز الراحة يبقى مش أنا.. إنتوا فاهمين.. مش أنـ............
بتر عبارته فجأة وقد احتقن وجهه، فأسرع خادمه يسنده، فهتف به رئيس الوزراء على الفور:
- ارجع بيه بسرعة يا (سليم).. واتصل بالدكتور ييجي بسرعة..
قالها، ثم التفت إلى وزير الأمن مكملا:
- إحنا لازم نعقد اجتماع لمجلس الوزرا حالا..
لكن (سليم) ما لبث أن عاد بوجه شاحب ممتقع ليقول:
- البقاء لله.. رئيسنا المحبوب مات..

***********

استقر رئيس الوزراء على مقعده في قاعة اجتماعات مجلس الوزراء، ونظر في وجوه الوزراء المجتمعين، قبل أن يقول:
- أنقل لكم ببالغ الأسف نبأ موت رئيسنا المحبوب النهاردة الصبح..
هنا صاح كبير رجال الدين وهو يرفع وجهه ويديه للسماء:
- رحماك يا إلهى.. عين وصابت لظلوظيا، يا شماتة أعداء البلد فينا.. اللهم أرحم رئيسنا الفقيد.. وأسكنه فسيح جناتك، واغفر له الذنوب جميعًا.. قولوا آمين..
- آآآآآآآآآآآآميييييييين
هتف رئيس الوزراء فى حدة:
- يا مولانا.. يا مولانا عاوزين نفكر في الكارثة اللي إحنا مقبلين عليها دي..
- استغفر الله العلي العظيم.. يعني بلاش ادعي لفخامته؟!
- ادعي يا سيدي محدش قال حاجة.. بس لازم نعمل حاجة جنب الدعاء، مش كله بالكلام يا مولانا.. ولا إيه رأيكوا يا رجالة؟
قالت وزيرة العلم ببعض الاستنكار:
- إيه رجالة دي؟! أنت مش ملاحظ وجود الجنس الناعم معاكم هنا ولا إيه؟! ولا أنت مش من أنصار المرأة؟! ما علينا.. ألف رحمة ونور على الريس..
رمقها رئيس الوزراء بنظرة نارية، قبل أن يتابع متجاهلا إياها:
- والمشكلة دلوقتي إننا مش عارفين نعمل إيه؟! إحنا لايصين يا جماعة.. دي كارثة محدش جربها قبلنا خالص..
صاح كبير رجال الدين:
- نوزع لحمة على الغلابة رحمة ونور على روحه.. تبقى صدقة تشفعله في آخرته..
- يا مولانا اهدى شوية.. أنت مش مقدر الكارثة اللي إحنا فيها.. بعدين لظلوظيا مفيهاش غلابة على فكرة.. دي كلها أقوال مغرضة..
هنا هتف وزير الصحة بعبقرية مفاجئة:
- يبقى ندفنه طبعًا مفيش حل تاني.. أنا هستخرج كل الأوراق المطلوبة في أسرع وقت ممكن، إكرام الميت دفنه وده مش أي ميت..
كادت دموع القهر أن تفلت من عيني رئيس الوزراء وهو يقول بصوت باكٍ:
- يا جماعة بقولكم نعمل إيه في البلد اللي بقت من غير ريس دي.. تقولولى نوزع لحمة على روحه وندفنه.. أمال هنخلله يعني؟! ما تقولي يا وزير العدالة.. الدستور بينص على إيه في الحالة دي؟!
- الدستور؟! الصراحة معرفش..
- لا بقى.. ده إنتوا عاوزين البلد تفقدني أنا كمان.. مش عارف الدستور بيقول إيه يا وزير العدالة؟
- أيوه معرفش.. الدستور مفيهوش احتمال غياب الرئيس ولو حتى كان.. إحم.. بيستحمى..
- وإزاي مجاش في بالك الاحتمال ده وأنت بتكتبه..
- فخامته هو اللي كان بيكتبه مش أنا.. أصله كان بيهوى التأليف في صغره.. كان موهوب..
ساد الصمت والوجوم يبدو على وجوههم، قبل أن يقول وزير الجيوش في قلق:
- لازم نلاقي حل.. أعداءنا متربصين بينا على حدودنا الشرقية والغربية والجنوبية، ولو شموا خبر إن رئيسنا مات مش هيسموا علينا.. هيقرقشونا بدباباتهم وطيرانهم..
قال رئيس الوزراء:
- واشمعنى الحدود الشمالية هي اللي رايقة يعني؟!
- جيشنا كله هناك على الساحل بيصيف زي كل سنة..
هنا قال وزير الأمن:
- يبقى الحل الوحيد إننا نلاقي رئيس جديد قبل ما نعلن وفاة الرئيس فعليًا..
- بس الدستور بيقول......
- يقول زي ما يقول.. إحنا في حالة طارئة.. والدستور كده كده هيتعدل لما يمسك البلد رئيس جديد..
هنا يقول وزير المدارس:
- طب ما حد مننا يمسك الحكم في الفترة دي!!
لكن رئيس الوزراء أجابه:
- يا راجل ده إحنا مش عارفين نحكم وزاراتنا كويس يبقى هنحكم البلد؟! لازم نشيّل البلوة دي لحد جديد.. بس إزاي؟!
فرقع وزير الصحف بأصابعه، ثم قال:
- لقيتها.. إحنا ننزل إعلان في الجرايد نطلب فيه خمسة ستة كده علشان منصب قيادي هام.. من غير ما نعلن طبعًا عن طبيعة المنصب.. واللي يتقدم نواجهه بالحقيقة ويدخل في الاختبارات اللي هنحددها..
يفكر الجميع فى اقتراحه، قبل أن تنفرج أسارير رئيس الوزراء ليقول:
- جدع يا معالي الوزير.. بقالك فترة ما أبدعتش حاجة زي كده..
- ما هي العبقرية بتظهر وقت الشدائد بس..
- خلاص يا جماعة.. من بكرة الجرايد الوطنية كلها تنزل الخبر اللي هنتفق على صياغته دلوقتي في صفحتها الأولى.. انفض الاجتماع..
هنا صاح رجل الدين:
- استنوا.. نسينا يا جماعة أهم شىء..
التفتوا له جميعًا، فأضاف بخشوع:
- الفاتحة لروح فخامته..

***********

تستكمل في الحلقة الثانية إن شاء الله
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...