دوّر يمكن تلاقي

بحث مخصص
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تأملات. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٣ سبتمبر ٢٠١١

الآن أكــتــب...

 أ/ أحمد مصطفى عبد القادر المصري
7 مايو 1925 ميلادية - 16 أغسطس 2011 ميلادية
تصويري في 11 مايو 2011


الآن أكتب..
لأن الرغبة في الكتابة لا تموت.. لكن القدرة على الكتابة هي التي تفعل..
لا أعرف تحديدًا ما الذي سأكتبه.. 
فكّرت أن أكتب عمّا يجيش بداخلي من مشاعر مضطربة لا أفهمها.. لكنني توقفت عند تساؤل مهم: كيف سأكتب عمّا لا أعرف؟
هناك بعض المقولات الخرقاء التي لم أكن أومن بها في السابق.. عن الفرحة الشديدة التي تصيب الإنسان في وقت من أوقات حياته، فيمشي في الأرض مرحًا، غير مُدرك أن الفرحة في الحياة هي الاستثناء، بينما القاعدة هي أن تمشي مكبًا على وجهك حزينًا بائسًا وحيدًا مهما كثر العدد من حولك، ومهما أحاطت بك الأسماء..
الأسماء..
إن هي إلا أسماء سميتموها.. 
لم أكن أعتقد في ذلك.. حتى جاءت العلامات والدلالات.. فآمنت..
كانوا يقولون أن أمام كل روح تغادر جسدها، روح أخرى تعمّر جسدًا آخر وتبدأ معه رحلة في الحياة.. لكنني اكتشفت أن أمام كل روح تفارق جسدها، روح أخرى تموت داخل الجسد الحيّ.. فلا هي تركته يموت.. ولا هو عاش الحياة كما ينبغي له أن يعيشها..
حين أغلق باب الغرفة كي أنام تنتابني تلك القشعريرة العجيبة التي لم أكن أعرفها من قبل..
لقد صرت وحيدًا ياولدي.. الغرفة التي كان يشاركك فيها ذلك العجوز الطيب قد صارت لك.. فارقك العجوز ليسكن غرفة أخرى لن يتركها إلا بقيام الساعة..
تتقافز في ذهني الذكريات..
في مثل هذا الوقت كان ينهض ويطلب منك مساعدته للقيام من الفراش..
وفي مثل هذه الساعة كان يطلب الإفطار..
في الظهيرة كان يفتح الأكياس البلاستيك لتزعجك أصواتها.. كي يُخرج علبة الدواء ويتناول القرص الذي يتناوله منذ أن وعيت على دنياه.. أنت لا تعرف ما كنه هذا الدواء.. لا تعرف إن كان للقلب الذي لم يشك منه العجوز من قبل إلا محض تخيلات واهمة.. 
لا تعرف إن كانت للضغط أم الصداع.. هل كانت أقراص الشباب الدائم ومحاربة الشيخوخة؟ 
أنت حقًا لا تعرف..
الآن تتمنى أن تعرف.. لكنك قد صرت وحيدًا ياولدي.. فمن تسأل ليجيبك؟
حينما تحزم حقائبك في الفجر لتسافر، كان هو آخر من تودعه.. تنحني لتعانقه لأنه لم يعد قادر على رفع عنقه لأعلى.. 
في المرة الأخيرة كان منزعجًا لأنك لن تتناول الإفطار معه في رمضان.. فكنت تهدئ من روعه وتخبره أن ظروف العمل تقتضي هذا، وتعده أنك ستأتي في إجازة العيد..
هل قلت إن شاء الله؟
ربما لم تقلها..
لأنك لم تتعلم الوفاء بوعودك بعد ياولدي..
الآن أنت تحزم حقائبك وتنظر للغرفة الخالية.. تبحث عن معانقة الوداع المعتادة فلا تجدها.. تقف مترددًا قبل أن تطفئ النور وتغادر..
تتقافز في ذهني الذكريات..
كنت تضع حذاءك أسفل السرير بالكامل حتى لا يدوس عليه العجوز وهو يمشي الهوينى فيتعثر.. والآن تخلعه وتدسه أسفل السرير ثم تتوقف.. وتخرجه وتضعه في أي مكان.. 
مرحى.. لقد صرت وحيدًا ياولدي..
حين اشتد عليه المرض يومًا منذ سنوات.. قال لك أنه يدعو الله ألا يموت إلا بعد أن يراك وقد تخرجت من الجامعة وصرت حاملا لشهادة عليا.. كنت تظن وقتها أن عمره قد ارتبط بتخرجك.. كنت تخشى الوقت الذي تتخرج فيه..
يوم أن حملت شهادة التخرج إليه كنت تريد أن تسعده.. لكن قلبك كان يخفق قلقًا.. هل تتحقق النبوءة الآن؟
بالله عليك قل لي.. لماذا تتخرج وأنت تعرف أنك ستفقده بذلك؟
كن سعيدًا إذن.. فقد صرت وحيدًا ياولدي..
اللغز الذي حيّرك لسنوات طوال صرت تعرف حلّه..
لماذا كان يخشى العجوز من إغلاق باب الغرفة عليكما وهو نائم، بينما أنت تبغى الهدوء كي تكتب أو تقرأ أو حتى تنام بعمق؟
حتى لا تعتريه تلك القشعريرة التي تعتريك الآن..
ربما أنت أقوى وأصغر سنًا لذلك تتحملها.. لكنه لم يكن ليتحملها..
تتقافز في ذهني ذكريات أبعد..
مخاوفك وأنت تنام في الغرفة المجاورة له في منزله القديم، وتسللك في الليل لتلقي عليه نظرة تتأكد منها أنه على قيد الحياة.. الصدر الذي يعلو بالشهيق ويهبط بالزفير يخبرك أنه هنا.. وأنك لم تفقده بعد..
الطعام الذي كان يعده كي تجده جاهزًا حين تعود من الكلية.. 
الإفطار الذي كنت تشتريه ساخنًا لتتناولاه سويًا في يوم الإجازة..
لم يكن له ابن ولا زوجة فكنت أنت ابنه الذي لم ينجبه.. فهل كنت بارًا بوالدك؟
تضع رأسك في ذات الموضع الذي شغلته رأسه.. فترتجف..
تتساءل بداخلك عن السبب الذي يدفعك أن تفعل ذلك، لكنك -حقًا- لا تعرف..
حتى هذه الكلمات..
لا تعرف لماذا تكتبها.. ولمن تكتبها..
هل هي رثاء؟ هل هي ما كنت تريد كتابته؟
لست أعرف إطلاقًا..
أتذكر فقط حين اشتد مرضه يومًا منذ فترة قصيرة.. وظللت ساهرًا إلى جواره أمرّضه، فأغفو بين الفينة والأخرى، ثم أفيق.. ثم أغفو.. فيطلب مني ألا أنام..
"متسبنيش وتنام لحسن أتعب لوحدي ومحدش ينجدني"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
وتتردد الكلمة في عقلي بلا نهاية.. لا تتوقف لحظة..
لكنني تركته وذهبت.. 
وحين عدت، كان هو قد ذهب وتركني..
جلست إلى جواره أربت على جسده الهامد.. الجامد.. البارد.. فأسمع الكلمة تتردد من جديد..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
يغمره الماء في الصباح فتنفرج أجفانه عن حدقتيه الخاويتين من الحياة.. فأجدهما مثبتتين عليّ.. وتتردد الكلمة..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
 أحمله مع الحاملين وأضعه في صحن المسجد.. أجلس إلى جواره.. أربت على جسده الذي لم يعد ظاهرًا.. أضع ذراعي حول كتفه.. وبعد صلاة الجنازة أرتدي حذائي بسرعة وأندس في السيارة إلى جواره.. تتردد الكلمة مجددًا بضراوة أشد..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
ألف ذراعي على كتفيه.. أخي يقرأ القرآن في الجهة الأخرى.. نمسك به جيدًا حماية من الاهتزازات.. أنظر في وجهه المختفي تحت الكفن.. فاكاد أراه ينظر لي ويتمتم بسرعة أكبر..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
"متسبنيش"
أجد نفسي أتمتم بصوت لم أسمعه بنفسي..
"مش هسيبك"
يتناوله ذلك الرجل الذي لا يعرفه ولا أعرفه، ويدسه في الأرض التي فتحت فاها للجسد المخلوق منها والعائد إليها.. ينهال عليه بالتراب، فأقبض على حفنة منه وألقيها إلى جواره من هنا ومن هناك.. وتزداد الكلمة ترددًا في ذهني.. تنهمر دموعي بلا توقف ويرتفع نشيجي.. يُغطى القبر بألواح الخشب لوحًا تلو آخر..
"متسبنيش"
"متسبنيش"
يحاولون إبعادي بينما لا أستجيب لهم.. قدماي لا تستجيبان..
لا أعرف من يصافحني ومن يعزيني ومن يشد من أزري..
أبي يحتضنني ويطلب مني أن أكون قويًا.. أنا لا أريد أن أكون قويًا.. أنا فقط أريد لهذه الكلمة أن تتوقف.. لا أريد أن أتركه..
يبعدونني رويدًا.. أنظر خلفي وقد أغلقت الأرض أبوابها.. 
أقول بهمس: مش هسيبك..
ثم أتذكر حين أخرج من باب المدافن أنني لم أقل إن شاء الله..
وأنني لم أتعلم الوفاء بوعدي له.. 
وأنني لن أتعلم ذلك..

****

لا تزال هناك كلمات محشورة لا تعرف طريقًا للظهور..
لكنها قد تخرج حين تجد الفرصة التي وجدتها كلمات اليوم..








الخميس، ٢٥ أغسطس ٢٠١١

الرجل الذي أنزل العلم

كاريكاتير عن واقعة إنزال "أحمد الشحات" لعلم إسرائيل من فوق السفارة الإسرائيلية
بريشة: كارلوس لاتوف


مقال جديد على مجلة بص وطل بتاريخ 25 رمضان/ أغسطس - 1432/ 2011 بعنوان:


لا ريب أن من أهم أسباب تدهور حالة حديقة الحيوان بالجيزة، هو ذلك الهواء الفاسد الذي ينتشر في المنطقة بسبب السفارة الإسرائيلية وعلَمها، الذي كان يرفرف في سماء مصر حتى فجر الأحد 21 أغسطس، ولا أعرف لماذا توجد سفارتهم أمام حديقة الحيوان؛ برغم أن مكانها الصحيح هو داخل الحديقة إلى جوار بيت الزواحف وأقفاص الشمبانزي!!

في انتظار آرائكم

الأربعاء، ٢٤ أغسطس ٢٠١١

الربيع العربي.. والخريف الأمريكي!!



مقالي الجديد على بص وطل تحت عنوان:


"إن الكرة الأرضية الآن تغلي، والشعوب قد ضاقت بها الحياة في كل مكان، ولا يزال بعض الحكام العرب يتحدّثون عن مخططات خارجية وأجندات غربية تسعى لصنع شرق أوسط جديد؛ فإن كان الأمر كذلك فمن صاحب المخططات الخارجية لثورات الكرة الأرضية ككل؟ لا ريب أنهم سكان الفضاء الخارجي، لهذا أُهيب بسكان كوكب بلوتو الشرفاء ألا يعبثوا بمقدرات هذا الكوكب ويتركوه لحاله، والله الموفّق والمستعان!!"

أنت رأيك إيه بقى؟

السبت، ٣٠ يوليو ٢٠١١

عيد ميلادي الثلاثين


إهداء من كارلوس لاتوف بمناسبة عيد ميلادي، وبمناسبة شهر رمضان الكريم

مكنتش أعرف لما اتولدت أني هعيش 30 سنة من عمري تحت حكم فرد واحد.. ومكنتش فاكر إننا هنقدر نزيحه من الحكم قبل عيد ميلادي التلاتين بست شهور..
قبل عيد ميلادي بست شهور بس كان ممكن موصلش للتلاتين.. 
لأن قبل عيد ميلادي بست شهور بالظبط كنا في الشارع يوم الجمعة 28 يناير.. جمعة الغضب..
بيتضرب علينا رصاص وقنابل غاز وبتتحرق قدامنا عربيات وأقسام.. يعني الواحد كان شايل روحه على كفه وماشي.. تلاتين سنة في ذل وامتهان وفساد وسرقة ونهب وخيانة وقرف.. مكنش الواحد عايز حاجة تانية خلاص.. بقت مسألة حياة أو موت..
في ناس محتلفتش بأعياد ميلادها اللي بعد الثورة عشان حياتها نفسها انتهت اليوم ده.. بس ميعرفوش أنهم اتولدوا من جديد كشهدا بنحتفل بيهم وهنحتفل كل يوم.. وفي ناس ربنا كتبلها تكمل حياتها عشان تفرح مع خلع مبارك وتزعل مع المصايب اللي بتحصل كل فترة.. وتفرح تاني مع مليونية كبيرة ولا صغيرة..
دلوقتي أنا تميت التلاتين من غير مبارك لأول مرة..
عشان كده عيد الميلاد ده مختلف.. 
وأتمنى لما ييجي عيد ميلادي الواحد وتلاتين تكون مصر أحسن من النهاردة..
تكون بلد ديمقراطي.. نضيفة.. الكل فيها بيخاف على الكل وبيحب الكل وبيرحب بالكل..
ونبطل بقى فُرقة ونبطل نفرج علينا الناس..
أتمنى نكون بنفكر في مصر بس.. مش في حاجة تانية غيرها..

كل سنة وأنا طيب :D 

الأحد، ٢٤ يوليو ٢٠١١

اللي يحب النبي يسقف.. موسم المسلسلات الرمضاني



النوت القادم كنت قد نشرت جزء منه كمقال في مجلة بص وطل بتاريخ 25 - 8 - 2009 وراح مع تغيير الموقع ومش عارف أعتر له على لينك.. ما علينا..

النوت كما هو واضح بمناسبة اقتراب شهر رمضان كل سنة وانتوا طيبين.. وبمناسبة المسلسلات اللي هتهاجمنا ولا بلطجية النظام أيام موقعة الجمل أو بلطجية المجلس العسكري في موقعة العباسية..

أسيبكم مع النوت ويارب يعجبكم..

-------------------------


اللي يحب النبي يسقف

*************

حينما يهل شهر رمضان جديد، يعتقد فيه الكثيرون أنهم في أمان بعد أن تم حبس الشيطان وزبانيته، لمدة 30 يومًا -أو ربما 29 فقط حسب دار الافتاء- مما يعني أنه لا مصدر للوسوسة وبالتالي لا خطايا ولا ذنوب..
إذن، الشهر مليء بالبركة والخير.. الشياطين مسلسلة وموقوفة عن العمل مؤقتًا.. الأنفس مبتهجة بدخول الشهر الكريم.. لذا فمن المفترض أن يعم السلام الكون.. إلا أن الكون يعمه أمر آخر يختلف تمامًا عن المقادير السابقة.. ناتج لا تعرف من أين جاء بعد الخلطة السحرية المكتوبة أعلاه.. ناتج يسمى مسلسلات وبرامج رمضان..
في حياتي كلها لم أسمع عن موسم مسلسلات يأتي مع مناسبة دينية بحجم شهر رمضان وتأثيره وعظمته.. فلم أسمع قبلا عن موسم مسلسلات عيد الهالوين بأمريكا أو موسم مسلسلات جمع العنب بالأرجنتين.. ستقولون لي: ما هما اللي مناسباتهم يوم ولا اتنين بالكتير إنما ده شهر بحاله.. سأرد عليكم قائلا: وإحنا لو مناسباتنا يوم واحد هتلاقي خمستلاف سهرة تليفزيونية على ألفين برنامج متوزعين على كام قناة فضائية وجدع الحق اتفرج..
المشكلة أيضًا في الاستعدادات التي تبدأ لشهر رمضان منذ أن يهل ربيع الأول تقريبًا -في بعض الأحيان تبدأ من شهر شوال السابق- فتجد عناوين الأخبار الفنية:

-   الفنانة (س) تبدأ تصوير مسلسلها الجديد (امرأة من زمن الفراعنة) المقرر عرضه في شهر رمضان، وتصرح أن دورها هنا يختلف تمامًا عن مسلسلها السابق (امرأة من زمن الهكسوس) الذي تم عرضه في رمضان السابق، والدليل أن الأزمنة مختلفة..
-   الفنان القدير (ص) ينتهي من تصوير مشاهده الخارجية لمسلسله الجديد (أشواك العصيان) ولا ينام منذ أسبوع وأصابه كاللو الأصابع الملتهب بعد أن أصابته شوكة عصيان، كل ذلك كي يلحق المسلسل بالعرض في شهر رمضان المقبل..
-   (اللي يحب النبي يسقف) برنامج مسابقات جديد يقدمه الفنان (ع)، يعتمد على فكرة جديدة جدًا حيث يتسابق الفنانون في فريقين لحل مجموعة من الأسئلة، وفي النهاية من يحب النبي يسقف، ومن المقرر عرضه -نعم أنت ذكي- في رمضان..

ناهيكم عن الهجوم الشرس لمسلسلات السيت كوم، تلك النوعية التي بدأت في مصر باجتهاد وفن حقيقي ثم انتشرت كأية موضة جديدة، لتبدأ موجة من (البواخة) و(تقل الدم)، ولا يكفي هذا بل إنها تعرض في رمضان بلا أدنى رحمة..
المثير للغيظ أنه لا جديد فعلي وحقيقي يُقدم في كل هذه المسلسلات والبرامج التليفزيونية، بل أنك قد تتمكن من استنتاج كل ما سوف تشاهده في رمضان المقبل ببساطة شديدة، بمجرد الجلوس في شرفتك للتأمل والتخمين..

برامج المقالب:

تنص المادة 150 من الدستور التليفزيوني على: لابد من برنامج مقالب على أية قناة أرضية أو فضائية يذاع بعد الإفطار، وفي حالات عدم وجود برنامج يتم الامتثال للمادة 160 من الدستور التليفزيوني..

المادة 160: بالعافية بالذوق هتعملوا البرنامج وبلاش كسل!!

برامج المقالب عادة بدأت بالكاميرا الخفية -وارد الغرب- مرورًا بتطوراتها.. كان يقدمها الفنان (إسماعيل يسري) بخفة دم عالية، تلاه الفنان (إبراهيم نصر) مع أفكار (شامخ الشندويلي) التي كانت بالفعل مبتكرة، رغم أن (إبراهيم نصر) كان ينال كثيرًا من الضرب وقتها..
ثم بدأ هذا الأخير في عرض الكاميرا الخفية بشخصية جديدة وهي (زكية زكريا) التي نالت على شهرة واسعة جدًا بلزماتها وحركاتها وسكناتها.. ومن منا لا ينسى (لما أقولك هش تهش) و(بخ بخ) و(أنت مرتبط) و(يا نجاتي انفخ البلالين)..
بعد ذلك كان هناك برنامج اسمه (اديني عقلك) يلعب بطولته (طلعت زكريا) و(منير مكرم) و(حسين مملوك) وهو كاميرا خفية بشكل آخر، كوميدية للغاية، نال فيها الممثلون ضربًَا أشد إيلامًا من الضرب الذي ناله (إبراهيم نصر) في برامجه..
إلى هنا وكل هذه البرامج هي نوعية واحدة.. مواطن بسيط يوضع في موقف عجيب، ثم يكتشف في النهاية أنه مقلب تم تصويره بكاميرا خفية ويا تذيع يا متذيعش!!
حتى بدأت موجة برامج مقالب الفنانين بعضهم في بعض، وهي موجة لا يبدو في الأفق أنها سوف تنتهي إلا بنهاية الزمان، والتي صارت تُقدم كل رمضان بشكل جديد واسم جديد لكنه مضمون واحد.. فنان يستقبل آخر ويوهمه بأشياء غير حقيقية، فيثور الممثل ويرغي ويزبد ويتوعد، ثم فجأة تنهار الأكاذيب ويصيح الجميع (عليك واااااحد) فيصدم الممثل ثم يبدأ في وصلة من (يا ولاد الـ...) - (أنا يتعمل فيا كده) - (ماشي يا فلان لينا ستوديو يلمنا).... إلخ

المسلسلات العربية:

آفة العصر بكل المقاييس، مرض سرطاني، انتشر انتشار النار في أقسام الشرطة يوم 28 يناير، مع انتشار القنوات الفضائية التي صارت تتخصص في عرض المسلسلات بإعاداتها كل دقيقة..
قديمًا كانت لدينا القناة الأولى والثانية، فتذيع الأولى مسلسلا واحدًا في السابعة مساءً، وقبلها مسلسل آخر على القناة الثانية في السادسة مساءً أيضًا.. وربما سهرة تليفزيونية مساء كل خميس أو جمعة..
أما في رمضان فهناك مسلسلين أو ثلاثة إلى جوار فوازير نيللي الشهيرة، والمسلسل الأسطوري الذي توقف الآن، ألف ليلة وليلة، حيث حكايات الشاطر حسن والأشكيف المخيف الذي أصاب نصف أطفال مصر بالرعب، وحتى فاطيما وكاريما وحليما والتفاح الذي يتحول إلى حجارة..
لكن الكيان المسلسلاتي أخذ ينمو وينتشر ويتوغل وينسل بين الفراغات، فقضى على الفوازير وألف ليلة وليلة، وهو الآن يمارس دوره في القضاء على المُشاهد ذات نفسه..
والسؤال هو: من يتابع المسلسلات؟ إذا كان كل من قابلتهم في حياتي يكرهون المسلسلات ويتمنون لها الانقراض.. فمن الذي يتابعها؟
الصراحة وبعد عدة تجارب علمية وجدت أن من يتابع المسلسلات بنفس الحماسة كل عام هم فئة واحدة: النساء!!
النساء عادة في كل مكان، فإن ركبت الأوتوبيس وجدتهن يزاحمنك الوقوف والجلوس.. اذهب للمقهى ستجدهن إما بالعبايات السوداء والشيشة أو بالعبايات السوداء والمناديل وحاجة لله يا بيه.. ادخل بيتك ستجدهن.. لذا حين تختفي المرأة من حولك حتى تعتقد أن الشرطة صارت تقبض على كل ما يحمل صفة مؤنث.. فاعرف أن هذا هو وقت المسلسل العربي..
لكن لماذا يا ترى تتابع السيدات بالذات هذه المسلسلات بكل هذا الشغف؟ هذا السؤال يحتاج لعلماء نفس لست منهم بالتأكيد، لكن في الوقت ذاته لا يمنع أن أفكر في الأمر.. شخصيًا أعتقد أنه الفضول.. كل امرأة بداخلها كائن فضولي يهوى معرفة وتتبع أخبار الناس.. وما الحوارات النسائية في البيت أو العمل إلا عن أخبار الناس:
- شفتي (سيدة) حصل لها إيه؟ اتطلقت من جوزها وأخدت العيال وهربت على كفر الشيخ..
- (بسنت) بنت (نحمدو) بتاعة الفطير هتتخطب كمان يومين..
- بقولك إيه أنا عايزة أركب دش اشمعنى يعني أم (الأكتع) ركبت دش إمبارح؟
وهكذا تجد أن محور حديثهم هو ما حدث للآخرين والأخريات، لذلك فإن في المسلسلات معين لا ينضب يروي فضولهن ونهمهن للمعرفة.. فكاميرا المسلسل تنقل لنا أسرار كل بيت بالتفصيل، حتى لو كانت البطلة تجلس مع نفسها فإن صوتها يعلو بتفكيرها، في أكتر من كده يا جدعان؟ وياريت الموضوع بيخلص على كده.. فما إن ينتهي المسلسل، حتى تتصل الواحدة منهن بصديقتها بسرعة ليناقشا معًا أحداث المسلسل المثيرة:
- شفتي مسلسل (يسرا) النهاردة؟ اتعرفت على (محمود قابيل) في المطعم اللي بتتغدى فيه كل حلقة، ووصلها بعربيته المرسيدس لحد باب فيلتها وأخد رقم موبايلها.. بس مين شافه بقى؟ طليقها (حسين فهمي).. قام رايح على شركته ونادى على المساعد بتاعه و.........
وما إن تنتهي من حكاية الحلقة، حتى يبدأ مسلسل (إلهام شاهين) وبالتالي تُنهي المكالمة مع وعد بأخرى بعد انتهاء المسلسل سالف الذكر لحكاية المُلخص..
المشكلة أن المسلسلات الآن صارت مكررة ونسخة من كل المسلسلات السابقة، حتى أنك تستغرب من تصريحات الفنانين كل عام بأنهم يقدمون عملا مختلفًا مع مخرج ما شاء الله عليه عامل شغل كويس في اللوكيشن وسيناريست كاتب ورق ممتاز.. لكن رغم كل هذا فالمسلسلات هي هي، لدرجة أنك ممكن تستنتج ما سيُعرض على شاشة رمضان من مسلسلات ببساطة، ودعني أثبت لك:

1- لابد من مسلسل لفنانة كبيرة، قد تكون (يسرا) أو (ليلى علوى) أو (نبيلة عبيد)، سرعان ما ينسى المشاهدون -أو قل المشاهدات- اسمه الحقيقي، ويُصبح اسمه: مسلسل (فلانة).. بعد الإفطار مسلسل (إلهام شاهين) وقبل السحور مسلسل (فيفي عبده)، ولا يهم اسم المسلسل في شيء لأن الأسماء أيضًا تدور في فلك واحد.. سيكون اسمه (وجع القلوب) - (امرأة تعض الرجال) - (رئة امرأة) - (من أكل قطعة الجاتوه بتاعة سنية وجوزها؟) - (بنت الأصول) - (الستات والتوك توك)..
سيكون هذا المسلسل أكثر من ثلاثين حلقة رغم أن رمضان قد يأتي أقل من هذا الرقم، لكنها قواعد صارمة، مسلسل أقل من 30 حلقة مخالف للمادة 133 من الدستور التليفزيوني، ويعرض المخالف للعقاب بمشاهدة مسلسل مكسيكي لا يقل عن 150 حلقة.. سنقتلك أيها المشاهد مللا يعني سنقتلك..
سيكون هذا المسلسل إما عن امرأة تواجه قضايا الفساد وحدها إما صحفية أو مقدمة برامج أو حتى محاسبة في شركة يرأسها رجل فاسد.. أو امرأة مستقوية بنت بلد ترتدي المنديل (أبو أوية) -الذي انقرض بعد إعدام ريا وسكينة بيومين- وتصرخ طوال النهار أنها لن تترك حقها وحق ولادها وحق أحفادها (المسلسل طويل وهنوصل لأحفادها بس الصبر).. طبعًا ستظل تصرخ حتى تنال حقها في آخر خمس دقائق من الحلقة الأخيرة..

2- يجاور ذلك، مسلسل جديد لفنان كبير آخر، (خالد صالح) أو (حسين فهمي) أو (فاروق الفيشاوي)، ويمكن تخمين عنوانه أيضًا بسهولة، حيث لن يخرج عن (رجل بأربع إيدين) - (الأستاذ زعبلاوي الحقاني) - (راجل كبير مش وش بهدلة) - (السواق الجن).. وهنا أيضًا سيتم نسيان اسم المسلسل مع أول حلقتين ليصبح اسمه: مسلسل (فلان)..
تدور الأحداث إما حول رجل الأعمال المستقيم الذي يحب سيدة المجتمع الفاتنة، لكن رجل الأعمال الآخر الشرير المنافس (في كثير من الأحيان يكون عزت أبوعوف) يريد أن ينالها -متعرفش إحنا مالنا بالكلام ده ومال شهر رمضان برضو- ويبدأ الصراع بينهما مع الكثير من السيجار الكوبي والسيارات الفاخرة والسواحل الشمالية وصفقات لبان تشكلتس المضروبة والنمور التي يتضح في النهاية أنها قطط متنكرة..
أو مسلسل عن رجل عادي بسيط، لكنه ذو مباديء وقيم، فلا يتورع عن إسداء النصائح لكل الشباب الطائش بالمسلسل، كل هؤلاء الشباب من ذوي الوجوه الجديدة، لأن الشباب ذوي الوجوه القديمة عرفوا المصيبة التي سيقبلون عليها وعرفوا يفكوا بدري بدري..

3- لا مناص من مسلسل تاريخي عن خليفة أموي أو عباسي من إنتاج سوريا، أو عن إمام أو مفكر ديني، بطله لن يخرج عن (حسن يوسف)، مع الكثير من اللحى المنمقة -كلنا نعرف أن الخلفاء الأمويين كانوا يستخدمون ماكينة حلاقة بشفرتين بينما العباسيون استخدموا ماكينة الشفرات الثلاث- والكثير من اللغة العربية الفصحى -يا سلام لما تسمع ممثلة شابة وهي تصرخ: وا معتسماااااه- والمعارك الحربية التي يتم فيها تصوير أرجل الخيول فقط مع تسجيل اصطدام أغطية (الحلل) كصليل للسيوف وهنا أتحدث عن الدراما المصرية لا السورية!!

4- التار ولا العار.. أقصد المسلسل الصعيدي طبعًا.. إن رمضان بدون مسلسل صعيدي لهو شهر فبراير بالتأكيد.. هناك مسلسل صعيدي وربما اثنان أحدهما بالتأكيد للمؤلف (محمد صفاء عامر).. يدور حول التار الذي يخاف منه البطل طوال الحلقات، ولو شاهد كلبًا في غيطان الذرة لعملها على نفسه.. التتر عبارة عن أغنية بصوت على الحجار تم توزيعها بآلات صعيدية كالربابة والمزمار وبها الكثير من (واه.. واه يابوي).. وبداخل المسلسل نفسه ستشنف أذنك اللهجة الصعيدي الفخمة مع حوار مستنتج بدوره (رايح على فين عاد يا هريدي) - (بجولك إيه يا عوضين مالكش دعوة بالحرمة اللي اسمها عطيات، دي من الهوارة).. نسيت أن كل سيدات هذه المسلسلات يرتدين العبايات السوداء وفيهن واحدة تكون (الكبيرة) إما (سميحة أيوب) أو (إحسان القلعاوي) أو (رجاء حسين).. وبعد مسلسلي (حدائق الشيطان) و(أفراح إبليس) أعتقد أن هناك مسلسلا سيحمل اسم (ليالي لوسيفر)!!

5- كوميديا الموقف.. السيت كوم.. أنت في زمن السيت كوم.. والأمر بسيط.. ورشة كتابة وفريق عمل.. اختيار للشخصيات وفكرة المسلسل.. ثم انطلق.. وكما قلت سالفًا، فالبداية كانت جيدة وواعية، ثم انقلبت إلى سبوبة ودجاجة تبيض بيتزا سي فود.. شلال من السيت كوم انهمر على رؤوسنا.. كلها نفس الفكرة لكن بتنويعات مختلفة، وهنا أيضًا القواعد صارمة.. لابد من مكان واحد يتم التصوير فيه.. كل حلقة تبدأ بموقف وتنتهي به.. مع صوت ضحكات مفتعلة من جمهور ما لا أحد يعرفه، تنطلق تزامنًا مع (إفيه) المفترض فيه أنه مضحك.. لكنك رغم ذلك تصاب بالجلطة وارتفاع ضغط الدم وربما الحمى الصفراء!!

برامج خريجي كلية الإعلام قسم (الشرطة):

هذا غير برامج من نوعية (اعترف بالتي هي أحسن) أو (قول الحقيقة بالذوق أحسنلك) حيث مذيعة شرسة تكاد تلتهم حناجر ضيوفها، أو مذيع يتكلم مع الضيف بصيغة وكيل النيابة الذي سيعرف الحقيقة..

ما دخل كل هذا الكلام بشهر رمضان؟! أتقبل جدًا البرامج الدينية الوسطية التي تذاع خلال الشهر، فهذا هو موسمها -لو تكلمنا بنظرية الموسم- وأتقبل وجودها، لكن لماذا كل هذا الكم من المسلسلات والبرامج التي تحتاج لمتابعتها ساعات أطول من ساعات اليوم نفسه، فالمسلسل يذاع ليلا لتتم إعادته نهارًا.. ولا يهم أنك صائم أم لا، تصلي التراويح أم لا، تحتاج وقتًا لقراءة القرآن أم لا تحتاج.. المهم أن يُذاع المسلسل، ومنذ أول لحظات الإفطار، كأن مدفع المسلسلات هو الذي ضرب وليس مدفع الإفطار.

رمضان تحول على أيدينا من شهر الصيام الذي أنزل فيه القرآن، إلى شهر الصيام الذي تعرض فيه المسلسلات والبرامج والمقالب والمسابقات، من سباق للخير وجني ثمار العبادة، إلى سباق لأعلى نسبة مشاهدة وأحسن موعد للعرض وأعلى "سبوبة" ممكنة من هذه البرامج والمسلسلات.. ويبدو أن نهاية مثل هذا الوضع لن تكون إلا بمبدأ عادل إمام الشهير: (ثم مات المشاهدون -أو قل: الصائمون- جميعًا)..

نهايته، صايمين ولا زي كل سنة؟!!

***********

الثلاثاء، ٢٨ يونيو ٢٠١١

الإطاحة بساويرس تبدأ من ديزني لاند



"إن الْتحى "ميكي ماوس" فللأمر محاسن عدة.. ستلحق به عصابة "القناع الأسود" وتتوب عن سرقة عم "دهب" الذي سيصبح كريمًا بدوره ويتخلى عن صفة البخل، ويغدق الأموال على الفقراء والمساكين أمثال ابن أخيه "بطوط".. ستتوقف الساحرة "سونيا" عن ممارسة السحر والبحث عن قرش الحظ!!"

جزء من مقالي الجديد على بص وطل: "الإطاحة بساويرس تبدأ من ديزني لاند" تعليقًا على قضية ساويرس وميكي ماوس والإساءة للإسلام..

يمكن قراءة المقال على الرابط التالي:  هـــنــــا

الأربعاء، ٢٢ يونيو ٢٠١١

سَفَرٌ وشمسٌ وموت



ربما لن يقرأ أحد هذه الكلمات.. لأنني لن ألفت لها انتباه أي إنسان كما أفعل دومًا.. 
وطالما لن أُظهرها فلن ينتبه لها أحد.. 
وهذا أفضل..

*****
كنت في الماضي أحب الكتابة عن دواخلي.. أفراحي وأحزاني.. انشراح صدري ومكنونات قلبي..
لكنني صرت الآن مثقلا بما فيه الكفاية.. ما بداخلي تعاظم حتى صار كالجبال، فلم أعد أعرف لها مبتدى ولا منتهى..
صرت أكره السفر..
يقولون لي: سافر.. 
يقولون لي: البلد لم تستقر بعد.. سافر واصنع لك قرشين تنتفع بهم وقت ضيق ذات اليد..
يقولون لي ويقولون لي ثم يقولون لي..
لا أحد يدرك كم أكره السفر..
كم أكره الابتعاد عن الأحباب..
إنهم يتساقطون ولا أراهم إلا هابطين إلى جوف الظلمة المقبضة.. 
لماذا لا أكون إلى جوارهم فأقبلهم وأودعهم الوداع الأخير؟
لأنني على سفر.. أو تبعدهم عني المسافات..
الآن لم يبق منهم إلا قليلا.. 
آخر الأحباب -دومًا- أعظمهم..
فلماذا أسافر ثم أعود بعد فوات الأوان؟

*****

الشمس تقتلني ولا أطيقها في الصيف.. ولست أظن أن هناك من لا يشاطرني هذا الشعور..
تتسلط فوق رأسي وتظل محدقة بي.. تشعلني وتنتزع مني قطرات العرق عنوة.. فيتجفف داخلي وتتفاقم حاجتي لتبديد هذا الجفاف.. أبحث عن شيء يرويني ويفجر داخلي ينابيع الحياة.. لكن القطرات ما تدخل إلا كي تلتقطها الشمس مرة أخرى..
تحت الشمس سرت عائدًا من سفري وغصة تخنقني.. أشعر بباطن قدمي ملتهبًا.. لكنني لا أهتم..
لماذا أهتم؟
أصل للقرية بعد فوات الأوان -كالعادة- فأجد العيون المحمرة من أثر الإرهاق/ عدم النوم/ البكاء.. أصافح أقاربي وأحتضنهم.. تتجمد الدموع في عينيّ محاولا أن أبدو صلبًا..
أقف في مدخل المضيفة لأتلقى العزاء، وقد غابت الشمس وفرض الليل سطوته.. لكن رأسي لا تزال مشتعلة.. صارت تطرد كل ما اختزنته من حرارة طوال اليوم..
أيتها الشمس الكريهة صيفًا، المحبوبة شتاءً.. يكفي ما فعلتيه في الصباح فخذي حرارتك واتركيني الآن في سلام..

*****

المدينة الفاضلة..
لن تتواجد فوق الأرض..
المدينة الفاضلة تتنامى بداخلنا..
مدينتي الخاصة هي حيث يتواجد كل أحبابي..
وحتى هذه المدينة لن تتواجد..
فوق الأرض أو تحتها..
داخل أعماقي أو خارجها..
لأن الأحباب -على كثرتهم- ما صاروا هنا..

*****

سَفَرٌ طويل.. وشَمسٌ حارقة..
ثم مَوت!!

السبت، ١١ يونيو ٢٠١١

لماذا قمنا بالثورة؟



حين وقف الزعيم خلف المنصة، في المسرحية التي تحمل نفس الاسم، قام بإلقاء كلمة غير مفهومة المعنى للشعب، قبل أن يسأل: "لماذا قمنا بالثورة؟" وبعد فترة صمت أجاب: "أنا لا أعلم لماذا قمنا بالثورة.. أنا كنت في الحمام ساعتها"!!

كان المونولوج قمة في السخرية وأثار ضحك المئات ممن كانوا في قاعة العرض، ومن بعدهم الآلاف عبر منافذ العرض المختلفة، إلا أنني وجدت في هذا التساؤل غايتي التي أبحث عنها منذ أيام، وجعلني أقفز صائحًا: وجدتها.. لماذا قمنا بالثورة؟!

صراحة فإن كل ما حولي من أحداث تقع أو أخبار تُنشر -ويتضح زيفها- أو أنباء تُذاع، لا يتعدى كونه إجابات خاطئة للسؤال أعلاه..

نحن لم نقم بالثورة كي يُقتل المصري مرة أخرى على يد "بعض" ضباط الشرطة، الذين لا زالوا يعتقدون أن هذا الشعب يحتاج إلى "تربية" جديدة، انتقامًا مما قام به في الأيام الأولى من الثورة ضدهم، وكأنهم كانوا ملائكة قبل ذلك!!

نحن لم نقم بالثورة لنقرأ خبر مقتل طالب على يد مخبرين بالفيوم، بعد أن انهالوا عليه ضربًا بالشوم!!

لم نقم بالثورة لتتعرض فتياتنا لفحوص عذرية، لا يقر بها أي قانون أو عرف أو شرع في أي مكان.. وإن كان فليس في وجود جنود آخرين، وليس بيد رجل.. وفي النهاية هو أمر مرفوض.. بنات مصر خط أحمر أيها المجلس العسكري..

نحن لم نقم بالثورة كي يعود الأمن المركزي، بمساعدة من القوات المسلحة -تحياتي لليد الواحدة- ليفضوا اعتصامًا أو مظاهرة أمام السفارة الإسرائيلية، بقنابل الغاز وإطلاق الرصاص، وتوجيه السباب والإهانات للشباب الذين اعتقلوا في هذا اليوم.. وكأننا نشهد مواجهة من مواجهات ما قبل 25 يناير، على سلالم نقابة الصحفيين مثلا!!

نحن لم نقم بالثورة كي تظل هناك أفضلية ما بين مواطن وآخر، لكننا -رغم ذلك- نجد المواطن "محمد حسني مبارك" يرقد في مستشفى فاخر بشرم الشيخ، متلقيًا علاجه وكامل الرعاية الطبية التي يحتاجها، بحجة أن مستشفى السجن ليست جاهزة لاستقباله!

دعك من نفقات العلاج التي يجب على المواطن المذكور سابقًا أن يدفعها، وإن كنت لا أعرف كيف سيدفعها إن كانت أمواله وممتلكاته متحفظ عليها!! لكنني أقول: "دعك منها" لأن وزير الصحة صرّح ذلك التصريح الذي أحب أن أسميه: "خد ربع جنيه وروح العب مع الأسد"، بأن المستشفى ستطالب "مبارك" بنفقات العلاج.. صدق هذا أو لا تصدقه، لكنه حدث!!

هل هذا تطبيقًا لسياسة: العلاج أولا ثم الدفع؟! ماذا؟ سياسة جديدة لم تسمع عنها قبلا؟!.. بالطبع هي كذلك.. لأن العادة جرت أن الدفع يجب أن يكون أولا، بعدها قد يأتي العلاج -وفقًا للطبيب النوبتجي- أو قد لا يأتي!!

والسؤال هنا هو: ماذا عن المرضى في تلك المستشفى "غير الجاهزة" لاستقبال مريض؟! لماذا يبقون هناك إن كانت المستشفى غير ملائمة لعلاج المرضى؟

والسؤال الأخطر: ماذا عن مصابي الثورة الذين يحتاجون للعلاج والرعاية؟ هل ينالونها في مستشفى مثل تلك القائمة بشرم الشيخ؟ وهل تُطبق معهم سياسة الوزارة الجديدة: العلاج أولا ثم الدفع؟ أم هم تعساء الحظ الذين لم يُطبق عليهم القرار بعد؟

نحن لم نقم بالثورة أيها السادة، كي نجد أن المجلس العسكري يتجاهل الشعب ومطالبه، معللا ذلك بأن الشعب قد قال كلمته في الاستفتاء، لكني دعونا نتوقف لحظة ونركب آلة الزمن حتى شهر مارس الماضي.. هل ترون ما أراه؟ بالضبط.. لم يكن الاستفتاء بنعم للمجلس العسكري على الإطلاق!!

لنعد إلى الحاضر إذن ونقول أن هذه ثورة قام بها شعب، والشعب هو من يجب عليه تقرير مصيره، والموكل له بتسيير الدولة خلال هذه الفترة عليه التنفيذ.. هل هذا واضح بما فيه الكفاية؟

مغ ذلك فإننا نقرأ عن استدعاءات من النيابة العسكرية موجهة إلى بعض الإعلاميين، كي يمثلوا أمامها بتهمة غريبة.. هل أنت مستعد لمعرفتها؟ جميل، التهمة هي: انتقاد المجلس العسكري!!! هل قمنا بالثورة كي نتوقف عن انتقاد الحاكم، حتى لو كان حاكمًا مؤقتًا؟ هل نحن حقًا نعيش في زمن ما بعد 25 يناير؟!

لم نقم بالثورة ليتحول النفاق الإعلامي من نفاق مبارك وزبانيته، إلى نفاق المجلس العسكري، وبهدلة الثوار في المقابل.. ولم نقم بالثورة ليظل المواطن المصري غير قادر على دخول أي منطقة في دولته -راجع سيناء وشرم الشيخ- دون أية موانع!

لم نقم بالثورة لنجد المجلس العسكري يتحكم في التليفزيون من جديد، لنرى تلك القصاصة التي تطلب عدم استخدام فيديوهات موقعة الجمل نهائيًا!!

ونقرأ خبر إصدار تعليمات بعدم قول الرئيس المخلوع في التليفزيون المصري والفضائيات المصرية، وبدلا منها فليقولوا: الرئيس السابق!!

هل تخافون على مشاعره إلى هذه الدرجة؟ هل تضايقه كلمة مخلوع؟ إن منعتموها من التلفزيون فإننا في كل مكان سنقول أنه مخلوع.. لا.. بل هو مخلوع وسابق وقاتل وفاسد ومزور وخائن وظالم وسارق ومتكبر ومسجون وإلى ما يشاء الله من أوصاف!!

هل قمنا بالثورة لنعود إلى سياسة التحكم في التليفزيون وتوجيهه بالأوامر والتعليمات؟ ألم تتعظوا من رأس الذئب الطائر؟ والذي كمم الأفواه وسلطها لنفاقه فكانت نهايته؟

أيها الجنرالات، إن كممتم أفواه التلفزيون المصري وفضائياته، فأننا لا زلنا نمتلك ناصية الفيس بوك والتويتر واليوتيوب.. بل والإنترنت كله، فإن أردتم تكميمنا بدورنا فاقطعوا الإنترنت ولنعد إلى نقطة الصفر من جديد..

أعود إلى الزعيم في المسرحية حين قال:

-"هناك بعض الأشخاص يشمبروا لنا.. نحن لن نقبل أي شمبرة بأي حال من الأحوال"..

إذا عرفتم هؤلاء الأشخاص فأخبروني، ثم أجيبوني بعدها على السؤال الحائر: "لماذا قمنا بالثورة؟!" فيبدو أننا كنا -جميعًا- في الحمام ساعتها!!

الخميس، ٩ يونيو ٢٠١١

كل الأسماء تؤدي إليكِ



تناول القهوة الصباحية معكِ.. 
تمرير أصابعي بين خصلات شعركِ.. أثناء التوحّد..
وصوت الريح في الخارج.. إذ تعوي..
كلها أشياء تشتاق إليكِ..

***

صنع القهوة يسبب لي الارتباك.. كم ملعقة سكر أضع؟
كم ملعقة قهوة؟
كلما توصلت لمعايير مضبوطة..
وجدتها بلا طعم..
بلا رائحة..
بلا معنى..
المعايير صارت مغلوطة..
وكل المعايير تنادي عليكِ..

***

كثيرات هنّ من حولي.. يتراقصن ويتمايلن..
تتعدد ملامحهن..
فيهن الشقراء.. والبيضاء.. والخمرية..
فيهن ذات الشفاة المرمرية..
أناديهن بأسمائهن..
فتخرج النداءات بأسمائكِ..
وكل الأسماء تؤدي إليكِ..

***

أعيدي لي مذاق قهوة الصباح..
وصوت الرياح..
أريد أن تعود لي الحياة..

الجمعة، ٢٠ مايو ٢٠١١

اعتذارك غير مقبول يامبارك




مقالي الجديد على مجلة بص وطل الإليكترونية

يمكن قراءته من >>> هــــنــــا <<<

أتمنى أن يروق لكم..

في سبيل موقعة "جمل" جديدة


يومًا بعد يوم يتأكد لي أننا بحاجة للقيام بموقعة "جمل" خاصة بنا هذه المرة، تختلف عن موقعة الجمل الهمجية التي قادها الحزب المنحل، لأن الجمل المقصود هنا ليس هو الحيوان المستخدم في تلك الموقعة..

فقد كنت أنتظر بعد إقالة رئيس الوزراء السابق "أحمد شفيق" أن تتم معه إقالة الدكتور "يحيى الجمل"، من استبشرت خيرًا بوجوده في منصب نائب رئيس الوزراء، قبل أن يبدأ هذا الاستبشار في الزوال رويدًا، إن لم يكن بسبب تصريحاته التي تعد من الكبائر في عالم السياسة، فإنه بسبب فشله في إدارة كثير من الملفات التي أوكلت إليه.

ففي السابق أعلنوا أن ملف الإعلام في يد "الجمل"، وظللنا ننتظر -عبثًا- تطهيرًا حقيقيًا للإعلام، لتأتي التغييرات على يديه مثيرة للدهشة والتساؤلات، ولم نظفر في النهاية بشيء جاد إلا بعد الضغط المتواصل والإعلان عن النزول من جديد بمليونية لحماية الثورة، وتطهير الإعلام والصحافة من أذيال النظام السابق!!

بينما كانت تصريحاته تحمل دائمًا قبسًا من الاستفزاز، وتثير عاصفة من السخط، تكفي في أية دولة من دول العالم الأول أن تطيح بصاحبها إلى الأبد..

فمن ينس تعليقه بعد إقالة "شفيق" حين قال أنه يشك في خروج دعوة إقالة الأخير من شباب الثورة، وإعلانه خشيته أن تكون الثورة المضادة هي التي نادت بإقالته؟!


وهو أمر عارٍ تمامًا من الصحة، حيث كان هذا المطلب نابعًا من شباب الثورة، وقد أثبتت الأيام فيما بعد كم كانوا على حق، بعدما تبع تلك الإقالة -على سبيل المثال- من سقوط لجهاز مباحث أمن الدولة وكأنما كان وجود "شفيق" هو من يحميه.

ثم يأتي تصريحه الأكثر غرابة ردًا على تردد خبر قرب إقالته من منصبه، حيث قال: "أنا طود راسخ لا يطاح به من السلطة"!!!


لقد قمنا بالثورة كي لا تكون لدينا أطوادًا راسخة في السلطة. قمنا بها لمحو فكرة وجود فرد لا يمكن الإطاحة به من الأساس، فكيف نجد شخصًا في مثل منصبه، بل وفي حكومة تسيير أعمال لن تدوم طويلا، لايزال يفكر بهذه الطريقة البائدة، ويجد في نفسه الشجاعة اللازمة للتفوه بهذا التصريح؟! ألم يتعلم الحكمة من رؤوس الذئاب المنثورة بين شرم الشيخ وسجن طرة؟

أما أكثر تصريحاته إثارة للسخط والغضب، فهي تلك التصريحات التي تمس الذات الإلهية، وقد بدأها بمقولته عبر برنامج "مصر النهاردة" أثناء فترة الاستفتاء على تعديل الدستور: "ربنا لو اتطرح في استفتاء ونال 70% يحمد ربنا"!!

شاهد الجزء المقصود هنا: http://www.youtube.com/watch?v=J542rqHwxc8

اتهمه العديدون بأنه قد أساء للذات الإلهية وتم التحقيق معه، لينفي ذلك موضحًا مقصده من الجملة، وهو أن البشر لن يتفقوا على الله عز وجل في استفتاء يدور حوله فما بالكم بالدستور!! لكن الدكتور "الجمل" ليس عودًا أخضر طريًا يفتقد التعبير الصحيح، بل هو جذع متين أكل الدهر عليه وشرب، لذلك فالأولى به أن يعرف كيف ينتقي الأمثال التي يضربها، وكيف يعبر عنها بصورة سليمة، فهو يضرب مثالا على الله وهو الخالق الذي له المثل الأعلى، فلا يصح إطلاقًا أن يأتي المثال بهذه الصورة..

ثم يأتي تصريحه الجديد والذي أدلى به منذ بضعة أيام، عن أولئك المتربصين بتعليقاته من أصحاب العقول المظلمة ممن يقولون: الله يقول كذا وكذا، ليصرّح بأنهم يقولون ذلك على الرغم من أن الله لم يقل شيئًا منذ 1400 عام!!!!


كيف يمكن أن يكون وصف المعلقين على تصريحاته بأنهم "أصحاب عقول مظلمة"؟ والأفظع والأشد إثارة للغضب والاستفزاز ما قاله عن الله للمرة الثانية!!
وهل انتهت مهمة الله -استغفر الله العظيم- بعد نزول القرآن مثلا فلم يقل شيئًا بعدها؟ ومن أين له أن يعرف أمرًا كهذا؟ وكيف يمكن أن يفسر تصريحه هذه المرة؟

وإذا ابتعدنا عن التصريحات المستفزة دينيًا، فإن تصريحه السياسي الأخير كفيل بأن يجعلنا نفكر: هل هو بالفعل نائب رئيس وزراء في عهد ما بعد الثورة؟

فقد رشّح سيادته، خلفًا لوزير الخارجية العظيم "نبيل العربي"، السيدة "مشيرة خطاب"، التي شغلت منصب وزيرة الأسرة والسكان سابقًا في عهد النظام السابق!!


بغض النظر عن عدم مهنية الصحفي وسوء صياغته للخبر واختياره المستفز للعنوان، فهل يُعقل أن يتم ترشيح هذه السيدة بالذات لحقيبة وزارة الخارجية؟ هل يعقل وهي من نادت بإعادة بناء الحزب الوطني بعد تنحي مبارك؟ وأشادت بأحمد شفيق كرئيس للوزراء؟

اقرأ تصريحاتها هنا: http://news.maktoob.com/article/6029312

لا أعتقد أن هناك من يتربص بتعليقات الدكتور "يحيى الجمل"، فهي كفيلة بجذب الناس من كل فجّ عميق، ولن أطالب بإهدار دمه وإقامة الحد عليه ردًا على استفزازاته الدينية، فمهما كان قوله ومهما كانت نيته فحسابه عند الله عز وجل، إنما سأطالب كمواطن مصري، تأذى من هذه التصريحات، بإقالته من منصبه فورًا، طالما أنه لا يجيد التعبير عن أقواله، بل وربما أشعلت أقواله تلك فتنة ليس هذا وقتها. إن عدنا من الميادين في الأيام القادمة، وهو لا يزال في منصبه، فعلينا إعادة النظر في مطالبنا

الأربعاء، ٢٧ أبريل ٢٠١١

مبارك الأسير والشعب الشرير



لفت نظري مقال الكاتب "عاطف حسانين" الذي نُشر الأسبوع قبل الماضي بمجلة بص وطل، بعنوان: "مبارك صار أسيرًا لديكم أيها المصريون!"، بما يحمله من دعوة لعدم الشماتة والتسامح مع مبارك بعد القبض عليه لاعتبارات عديدة. وقد استفزني المقال بشدة لكتابة مقالي هذا، ردًا على ما جاء به بعيدًا عن شخص كاتبه ومع كامل الاحترام له ولرأيه ولخير مقصده.

ويمكنكم قراءة مقالة أولا قبل قراءة ردي عليه من هنا

وقد أرسلت الرد لمجلة بص وطل بالفعل، لكنه لم يُنشر، ولذلك رأيت إنزاله هنا كي لا يصبح الموضوع قديمًا:

بداية فإن تقسيم المطالبين بالثأر من مبارك إلى فئتين فقط، فيه الكثير من الظلم والإجحاف لعموم المصريين، حيث صاروا وفقًا لهذا التقسيم إما ذوي قلوب سوداء ولديهم مصالح -كما جاء بالمقال- أو فئة أهالي الضحايا والشهداء، ناسيًا أن غالبية المصريين ليست لديهم مصالح أكبر من "لقمة العيش" التي فقدوها في عصر مبارك، وقلوبهم لن تكون أكثر سوادًا من قلوب من جثموا على أنفاسهم ثلاثين عامًا، فقدنا فيها ما كان سيجعلنا في مقدمة الأمم.

إن فئة أصحاب المصالح ذهبوا مع مبارك، لأن مصلحتهم كانت مع بقائه، بينما مصلحة أبناء مصر هي أن تعلو بلدهم وتزدهر، ويجدوا فيها كرامتهم وحقوقهم الإنسانية، فليس من المعقول أن يصير المصري البسيط صاحب مصلحة، لأنه يطالب بحقه من الطعام والشراب، وما يستره هو وأبناءه في الحياة، فإن حصل على هذه الحقوق صارت لديه الروح اللازمة لتحقيق الإنجازات الحقيقية وليست تلك الإنجازات التي كانت تزدهر في مقالات الصحف القومية في عهدها البائد!

بعد ذلك ينتقل بنا المقال إلى الشماتة التي ظهرت في أعين المصريين، والتشفي الذي زيّن كلماتهم وتعليقاتهم بعد نبأ حبس الرئيس المخلوع خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، وينتقد الكاتب هذا معللا بذلك أنه ليس وجه مصر المرجو. والحقيقة أنني أعرف تمام المعرفة أنه لا شماتة في مرض أو موت، فإن المرض ابتلاء من الله، والموت له جلاله لأن الإنسان يصير بعده بين يدي الله سبحانه وتعالى، أما القبض على مجرم، أو حبس متهم كثيرًا ما ظلم الناس وأهدر حقوقهم وامتهن كرامتهم وكثيرًا ما أفسد في الأرض والزرع والحرث والنسل، فإن الشماتة فيه بعد معرفة خبر حبسه تعد أبسط وأهون الأمور، ولا يمكن للإنسان أن يخفي سعادته لتطبيق العدالة أخيرًا بعد طول انتظار!!

كذلك يأتي المقال برؤية خاطئة شكلا ومضمونًا، حيث يرى أن أصحاب المصالح وتصفية الحسابات مخطئون في السعي إلى الانتقام، وأنهم يحكمون بإعدام إنسان ميت، وقد اتفقنا في البداية على التعريف بمن هم أصحاب المصالح، وبيان عدم دقتها، لكن أي انتقام هذا الذي يحققه أصحابه عبر ساحات المحاكم وتحقيقات النائب العام؟ أي انتقام في حبس مسؤول ارتكب من الجرائم في حق شعبها مما لا يُعد ولا يُحصى؟ وكيف يمكن أن نرى هذا انتقامًا يثبت أركان الغلّ في صدور المنتقمين، بدلا من أن نراه انتصارًا يشفي غليل المظلومين والمقهورين والمنهوبين في كل شبر من البلاد؟! ثم من هو هذا الإنسان الميت الذي نحن بصدد إعدامه؟ إنه لا يزال حي يرزق، كما أنه لم يُعدم بعد ولم يطالب أحد بإعدامه إلا من خلال محاكمة عادلة، لا ظلم فيها ولا محاباة لأحد، وفي هذا قمة الرقي والتحضر والشرف، لقد قتل مبارك أبناءنا وظلم رجالنا وسرق أموالنا وشرّد أهلنا، هو وأسرته وحاشيته، وهي ليست باتهامات باطلة، ومع ذلك فإننا حين ثرنا عليه قدّمناه للمحاكمة العادلة وفقًا للقانون الذي كان أول من يتجاوزه في البلاد، بدلا من أن نقدمه للمقصلة وفقًا لقانون الغاب، مرحى بالانتقام إذن إن كان على هذه الشاكلة!

ناهيك عن الأمثلة التي ليست في محلها مثل موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من جنازة اليهودي الذي يناصبه العداء، وهو ما يختلف عن موقف مبارك معنا تمامًا، فهذا الأخير لم يمت بعد، ومن أبسط حقوقنا أن يُحاكم، وأولئك الأصدقاء المسلمين الذين قلت عنهم أنهم يضيقون به ويتوعدون له، ليسوا قتلة مأجورين ولا زعماء عصابات، بل يضيقون بظالم متجبّر، ويتوعدون له بالمحاكمة والسجن في حالة الإدانة، ودعنا ننتظر حتى وفاة مبارك، التي أدعو الله أن يؤخرها حتى يصبح عبرة وعظة لكل من سلك مسلكه، ولنر كيف سنتعامل معه وقتها، وهل سنقتدي بالرسول الكريم؟ أم سنكون مثل وحوش الغابة وننقض عليه لنمزق جثته؟

مبارك ليس أسيرنا كما جاء في مقالك زميلي العزيز، بل يقضي فترة حبسه المؤقت في مستشفى ويلقى الرعاية الصحية الواجبة ويتناول طعامه وشرابه، وهذه هي حقوقه التي لم يطالب أحد بمنعها عنه، مع العلم أن أحدًا لا يعذبه ولا يكهربه ولا يُدخل العصا في مؤخرته أو يكيل له الصفعات، مثلما دأب رجال أمنه على معاملة أبناء الشعب الذي تطالبه الآن بالتسامح.

مبارك ليس أسيرنا ولسنا شعبًا شريرًا يبتغي الانتقام بشريعة الغاب، بل كانت مصر أسيرته التي خرجت من سجنها بعد طول انتظار، وإن كنت تسامحه -رغم أنه لم يبادر بالاعتذار لك ولا لنا- فهذا موقفك الشخصي، لكن قبل أن تطالب به أحدًا غيرك، فعليك أن تسأل مصر أولا إن كانت تسامحه، اسأل ضحايا العبّارة في بطون الأسماك وأهالي الدويقة المعجونين بالصخور وركاب القطار المتفحمين، اسأل خالد سعيد ومريم فكري وسيد بلال، ثم أبلغنا ماذا سيكون ردهم، وإن كان من الأفضل أن توفر عناء السؤال لأن الإجابة معروفة سلفًا.

الاثنين، ٢٥ أبريل ٢٠١١

شموا النسيم من النغاشيش



الصراحة هي قد تكون النخاشيش.. لكن المعنى واضح في الحالتين..

أولا كل سنة وكلنا بخير مصريين أحرار متوحدين تحت اسم وعلم مصر، رافعين راسنا لفوق وصوتنا مش مكتوم وكلمة الحق بتطلع مننا من غير ما نخاف غير ربنا وبس..

النهاردة الاتنين 25 أبريل 2011  مـ و22 جمادى الأولى 1432 هـ و17 برموده 1727 ق

واللي عايز يزود التقويم الصيني أو أي حاجة تانية يتفضل، اليوم ده شكله مليان بركة وممكن يساع من التقاويم ألف.. ومش كده وبس، ده كمان النهاردة شم النسيم وعيد تحرير سينا لأول مرة معًا في الأسواق.. وإمبارح كان عيد القيامة المجيد عند إخواننا المسيحيين وكل سنة وهما جميعهم بخير..

طيب إيه بقى؟ إيه المشكلة وإحنا في أيام سعيدة فيها بهجة وأمل وحرية؟ المشكلة أن بعض الناس بتفكير غريب بعض الشيء، أول ما يلاقيك بتقول بكرة شم النسيم يبقى عايز يدبحك.. شم النسيم مين ياعم أعوذ بالله سد مناخيرك.. حرام ياسيد.. بيض إيه وفسيخ مين ياعم إيه الكلام ده؟!!!!!ـ

ناس تانية أول ما يشوفوك بتهني جارك المسيحي وبتقوله كل سنة وأنت....... تلاقي نفسك اتسحبت من قفاك قبل ما تكملها، وخمسين واحد حواليك بيسلموا على بعض وبيتبادلوا التهاني أنهم لحقوك قبل ما تقولها.. وبعدين يمسكك واحد يقولك: أنت اتجننت؟ عايز تهنيهم بعيدهم؟ دول مسيحيين يابني هو جرالك إيه؟ وبعدين أنت عارف بتهنيهم بعيد إيه؟ ده عيد القيامة.. أستغفر الله العظيم يعني دي قيامة المسيح بعد الصلب.. يعني أنت كده بقيت بتفكر زيهم أن سيدنا المسيح عليه السلام اتصلب.. الحمد لله لحقناك.. ويرجعوا تاني يسلموا على بعض وهات ياتهاني وأحضان..

مع المعلومة المعتادة اللي لازم تتقالك بعدها: إحنا معندناش غير عيد الفطر وعيد الأضحى.. غير كده بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.. عشان تسكت خالص ومتتكلمش..

الإنسان ممكن يتوهم بكل اللي فوق، ويحس أنه على وشك دخول النار حدف، وكل ده عشان قال لواحد كل سنة وأنت طيب، أو اشتري حتة فسيخ وأكلها على الغدا، وقد يكون في الدرك الأسفل من النار عشان لوّن بيضة.. طب هو في إيه؟

لكن لو وقفنا نفكر شوية، هيكون أحسن من إننا نردد الكلام دون فهم، وبدل ما نجرد الموضوع من كل جوانبه ونزنق نفسنا في الحرام والحلال..لأن الفتوى مش بالساهل وكلفتوى وليها زمنها ومكانها اللي مش شرط يمسي على كل الأماكن والأزمنة..

أولا: التهنئة بالأعياد المسيحية

قبل ما أكتب المقال، عملت بحث على الإنترنت عن أي أحاديث شريفة أو آيات قرآنية بتحرم صراحة أني أهني صديقي المسيحي بعيده.. وملقتش حاجة بتحرم أني أهني صديقي أو جاري أو أستاذي المسيحي بعيده على الإطلاق..
لازم نفرق هنا الأول ما بين مشاركة المسلمين لغير المسلمين في الاحتفال بعيدهم، وبين تهنئتهم بعيدهم، والفارق بينهم كبير جدًا..
دلوقتي أنا كمسلم لا أؤمن إن سيدنا المسيح صُلب من الأساس، لكن المسيحي بيؤمن بكده وهو حر في اعتقاده.. ومن الطبيعي إنه يحتفل بقيامة المسيح من بين الأموات بعد صلبه، في حين إن أنا مش هحتفل بكده لعدم إيماني بالحدث من بابه..
يبقى في حالة أني بحتفل بالمناسبة دي معاهم، يبقى أنا ضمنيًا متفق على هذه النقطة وده هيبقى ساعتها ضرب في أساس عقيدتي.. تمام؟
لكن لو أنا قدمت التهنئة للمسيحيين من معارفي في عيدهم، مع احتفاظي بقناعاتي العقائدية، هل ده هيقلل من إيماني في شيء؟ هل ده خلاني خلاص كفرت والعياذ بالله؟
هو مش سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأعمال بالنيات؟
طيب أنا نيتي في تهنئة بطرس أو مينا أو ماريان أني أهنئهم بعيدهم وبتمنالهم عيد سعيد عليهم.. واخدين بالكم؟ عيدسعيد عليهم.. عليهم هما اللي بيؤمنوا بهذا العيد.. يعني أهو الموضوع بعيد عني وأنا ماليش دعوة..
هل بقى أنت دخلت في نيتي وشفتني بهنيهم عشان أنا مؤمن بكلامهم؟
ومن ناحية تانية، هو أنا هكفر وأخرج من ديني عشان ابتسمت في وجه إنسان وقدمت واجب تهنئة لإنسان بيحتفل بعيده وفرحان وسعيد؟
بغض النظر عن أي اعتبار، بس مش هيكون حلو لما أعكر عليه فرحته بعيده وأول ما أشوفه أقوم مكشر في وشه وأقوله خسئت ياعدو الله عيد مين وبتاع إيه أنتم أصلكم كفرة ويلا ياض من هنا، وأطلع أجري وراه بشومة مثلا!!!
بالعكس ده أنا كده بقدم صورة كويسة للإسلام وصورة متحضرة عن المسلمين، ولا هو لازم تكون صورة المسلمين أنهم مجرد حواجب مكشرة ودقن طويلة ولسان بيحرم كل شيء في الحياة لدرجة أن المشي في الشارع ممكن يكون محفوف بالمحرمات بعد كده!!
حاجة تانية.. إنه مفيش مشكلة لما أهني المسيحيين بميلاد السيد المسيح.. قولي بقى أنه متولدش.. أعتقد أن دي مفيهاش حاجة، بالنسبة لنا إحنا كمسلمين عارفين أنه اتولد ومفيهاش شك، وبالتالي -في رأيي الشخصي- مفيش مشكلة إني أحتفل بميلاده كرسول من أنبياء ورسل الله..

الخلاصة:
التهنئة بعيد جارك المسيحي مش هتخسرك دينك، ومش هتخليك بقيت مؤمن بعقيدة المسيحي لأن دي نقرة ودي نقرة تانية.. وزي ما قلت هو حر في اعتقاده وعلينا احترام ذلك زي ما هما محترمين عقيدتنا.. ولو سمحت متقوليش شوف منهم اللي بيشكك في القرآن أو اللي بيشكك في نبوة سيدنا محمد قبل ما تفكر تهنيهم..
خليني أقولك متاخدش ناس بذنب واحد أو اتنين أو حتى عشرة.. وخليك فاكر أن في مننا اللي مبهدلين صورتنا ومشوهينها بالطريقة نفسها ومفيش حد أحسن من حد..

-------

ثانيًا: شم النسيم

ده موال كل سنة.. شم النسيم حرام، ومتحتفلش بيه واللي هياكل بيض هتنزل عليه لعنة ويتحول كتكوت ميت، واللي هياكل فسيخ اليوم ده وقعته زفرة..
طبعًا الكلام ده كله من لأسباب دينية أكيد.. ونفس الكلام اللي بيسكتك كل شوية.. إحنا معندناش غير عيد الفطر والأضحى وده عيد موروث عن أيام الفراعنة الوثنيين وما إلى ذلك..
طبعًا أنت بتاخد الكلام وتقعد في بيتك ساكت ولو مراتك قالتلك مش هنشتري فسيخ ممكن تضربها بالنار.. ولو شفت عيل من عيالك ماسك فرشاة ألوان هترميه من الشباك قبل ما تفهم أنه ناوي يرسم لوحة للمدرسة ومالوش دعوة بالبيض..

لو بصينا في الويكيبيديا عشان نعرف إيه أصل شم النسيم، هيقولك إيه:

شم النسيم هو واحد من أعياد مصر الفرعونية، وترجع بداية الاحتفال به إلى ما يقرب من خمسة آلاف عام، أي نحو عام (2700 ق.م)، وبالتحديد إلى أواخر الأسرة الثالثة الفرعونية ويحتفل به الشعب المصري حتي الآن. وإن كان بعض المؤرخين يرون أن بداية الاحتفال به ترجع إلى عصر ما قبل الأسرات، ويعتقدون أن الاحتفال بهذا العيد كان معروفًا في مدينة هليوبوليس "أون". 
وهو عيد يرمز – عند قدماء المصريين – إلى بعث الحياة، وكان المصريون القدماء يعتقدون أن ذلك اليوم هو أول الزمان، أو بدأ خلق العالم كما كانوا يتصورون.
وقد تعرَّض الاسم للتحريف على مرِّ العصور، وأضيفت إليه كلمة "النسيم" لارتباط هذا الفصل باعتدال الجو، وطيب النسيم، وما يصاحب الاحتفال بذلك العيد من الخروج إلى الحدائق والمتنزهات والاستمتاع بجمال الطبيعة.

يعني مفيش حاجة بتدل على أن الاحتفال باليوم ده كانت بسبب إن الإلهة حتحور نزلت على الأرض ومنحت البشر كرتونة بيض ملونة واتنين كيلو فسيخ، ومعاها الإلهة باستت ماسكة حزمتين بصل أخضر.. ولا حاجة من دي خالص.. أمال زعلانين ليه إننا بنحتفل بيه؟
عشان طبعًا مفيش غير عيد الفطر والأضحى فقط نحتفل بيهم كمسلمين.. طيب خلاص نلغي بقى المناسبات السنوية ونبطل نحتفل أكتوبر وعيد العمال -يعني مفيش علاوة على كده- وبالمرة منحتفلش بليلة النصف من شعبان ولا ذكرى الهجرة ولا كل الحاجات دي.. ما هو مفيش غير عيد الفطر وعيد الأضحى..
ده عمرو بن العاص لما فتح مصر وشاف احتفال الأهالي بشم النسيم والمظاهر الاجتماعية المصاحبة ليه، أرسل لسيدنا عمر بن الخطاب خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام يسأله، فأقر به وكمان سمح له ومن معه من المسلمين بالاحتفال بيه..
ياجماعة ما هو مش معقول أنا نيتي في الاحتفال بيوم زي ده إني بحتفل بالربيع وبقضي يوم حلو مع الأسرة وبنخرج في جنينة عشان أطفالي يلعبوا مع أصحابهم وناكل أكلة معينة أني بقيت كافر خلاص..
أنا مش بلون البيض عشان أنال بركة الإله بطيخ ولا بآكل فسيخ عشان الإلهة فرخة أمرتني بكده..
وفي نفس الوقت ربنا محرمش عليا أني أحتفل بيوم زي ده..
وبعدين حتى لو كانت الإلهة فرخة اللي أمرت بكده زمان، دلوقتي الوضع اتغير وأصغر عيل عارف إن مفيش حاجة اسمها الإلهة فرخة، ومفيش مسلم ولا مسيحي ولا حتى يهودي بيؤمنوا بوجود الآلهة دي من بابه، ومش هيرجعوا يعبدوا الأصنام لما يلونوا بيضة..
طبعًا أنا دلوقتي دخلت في أساطير الأولين وإني كده بقيت زي اللي بيعند وبيقولك بعبد ما كان يعبد آبائي وأجدادي.. لكن معلش أنت مش بتدعوني لدين جديد وأنا برفض وماشي على أساطير الأولين.. أنت بتقولي متحتفلش بيوم زي شم النسيم عشان حرام.. وأنا بقولك مفيش حاجة تحرمه وهحتفل بيه..
بغض النظر عن أني شخصيًا كعمرو مش بحتفل بيه بالشكل المعروف وعمري ما نزلت في جنينة ولا لونت نص بيضة حتى، بس ده مكنش له علاقة بأنها غلط ولا صح ولا حلال وحرام.. والدليل أني بآكل فسيخ وبصل أخضر اليوم ده.. وساعات بأزداد في طغياني وآكل رنجة..

الخلاصة:
إن كان فلان قال أو علان حرّم فكلهم أشخاص ليست لهم أي قدسية من أي نوع، وطالما ربنا والرسول الكريم المعصوم محرموش علينا أننا نفرح.. يبقى محدش تاني يحرم علينا فرحتنا.. طالما الفرحة دي مش بتأذي حد.. ومش بتيجي على حد.. ومش بتخالف عقيدتي ولا بتخل بعباداتي..

--------

أتمنى أني أكون وضحت رأيي بشكل كويس..وكل سنة والكل طيبيين وسعداء وأحرار.. والسنة الجاية نكون بنتكلم في حاجة تانية أهم من كده..

ومنساش أدعي لأخواتنا في سوريا وليبيا واليمن والبحرين وفلسطين بالثبات والنصر، وبالرحمة لشهدائهم وخسف الأرض بطغاتهم.. وأعتقد أن ده الأولى إنه يتعمل ونتكلم فيه بدل حروب التحريم المنتشرة علينا في كل مكان.. ويسعدني طبعًا أني أسمع آراءكم حوالين الموضوع ده، سواء كنتم متفقين أو مختلفين معايا.. الباب مفتوح للكل طالما أننا في النهاية هنحترم اللي مختلف معانا..

وصباح الفل
Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...