دوّر يمكن تلاقي

بحث مخصص

الجمعة، ٢٠ مارس ٢٠٠٩

رائحة منتصف الليل


رائحة منتصف الليل

(القصة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة كتاب جديد في السوق للقصة القصيرة)


تعود أهل الحارة على رائحة الطبيخ الزكية التي تتسلل إلى أنوفهم حينما ينتصف الليل، آتية من تلك الشقة المظلمة دومًا إلا من ضوء شحيح ينساب كشعاع شمعة خجول عبر نافذتها الوحيدة المتسخة المطلة على الحارة الضيقة..

يقول الخياط ذو العين الواحدة و هو يرمق بها النافذة المتسخة حينما يسأله زبون من زبائن الليل عن تلك الرائحة: "هي بتطبخ دلوقتي"

و حين يسأله عمن يقصد يكمل: "طباخة نص الليل"

تقول المرأة البدينة المتأوهة بهمس، تحت ضغط زوجها الأصلع اللاهث الغارق في العرق دون أن تفتح عينيها: "هو ده وقت طبيخ" لكن زوجها لا يأبه لسؤالها، و هو يتحرك بآلية طالبًا نهاية تلك الليلة المزعجة..

يقول الأحدب الجالس أسفل النافذة المتسخة و هو يلوك - بكل نهم - شطيرة استخلصها من قمامة أحدهم: "الريحة دي معفنة.. سيبوني آكل" قبل أن يبدأ في النواح الرفيع و اللعاب يتساقط من فمه محملا ببقايا شطيرته، حتى تنفتح نافذة أخرى و تمطر على رأسه مياهً باردة.. ينتفض على إثرها شاهقًا و يهب مهرولا إلى بطن الظلام..

يترك الساكن الجديد قلمه و أوراقه و تنقطع أفكاره حينما يشم الرائحة بدوره.. تنتقل أفكاره من مخه إلى معدته التي تجعله - لسبب ما - ينهض مأخوذًا و يفتح الباب متطلعًا إلى السلم المظلم الواهن.. فيرى ذلك الرجل الضخم يصعد متثاقلا..

يناديه بوجل، لكن الرجل لا يرد..

يرفع صوته المرتجف مناديًا مرة أخرى.. فلا يجيبه سوى التجاهل..

يصعد خلفه مسيرًا لا مخير.. يسمع صوت تقليب طعام.. تزداد الرائحة قوة و لا يزال ينادي بلا استجابة..

يتوقف الرجل الصاعد أمام باب عتيق مُغبر ثم يعبث في قفله لينفتح و يدلف تاركًا إياه مفتوحًا.. فيتواثب صدر الساكن الجديد و هو ينادي بقوة أكبر.. و يتساءل داخله.. أما أيقظت نداءاته الصاخبة أحد من الجيران ؟!

يقف مترددًا عند الباب المفتوح.. صارت الرائحة هي الجو و لم يعد يذكر كيف كانت الرائحة قبلها.. صار يعتقد أنها موجودة وجود الأزل.. شاهد الضوء الشحيح الخارج من ما بدا له المطبخ.. صوت غليان ينبعث منه، و كلما ازداد قوة كلما بدت الرائحة أكثر وضوحًا..
ثم يسمع تلك الصرخة..

صرخة أنثوية حادة رفيعة، انخلع لها قلبه و تصاعدت ضرباته لتهزه بأكمله.. تلفت حوله منتظرًا خروج الجيران مذعورين من بيوتهم.. لكن أحدًا لم يخرج.. بقدم مرتجفة مترددة تقدم إلى الداخل.. المطبخ قريب و لا تزال الرائحة تنبعث منه لكنها صارت بداخله رائحة مخيفة..

أخذ يقترب.. صوت نحيب مكتوم يداعب أذنيه.. ينساب خيط من العرق على جانبي وجهه.. ثم يمد رقبته عبر باب المطبخ و ينظر بكل الفضول الذي أزاح مشاعره الأخرى جانبًا.. لتتسع عيناه..

في الركن كان موقد صفيح فوقه آنيتين يعلوهما الصدأ و تكسوهما خيوط العنبكوت.. على قطعة الرخام التي تملؤها الحفر و الأخاديد كانت الأكواب الزجاجية التي ذهبت شفافيتها.. إلى جوارها ملاعق النحاس التي انطفأ لونها.. ثم إطار خشبي به صورة لامرأة مليحة في لباس الزفاف إلى جوار رجل ضخم له شارب كثيف يقف فاردًا جسده بكل ثقة.. زجاج الصورة كان مشروخًا كأن هناك من ضربه بقبضته، بينما فقد الإطار أحد أضلاعه..

لم تكن هناك شعلة نار واحدة في المكان.. مصباح شاحب فقط يضيئ المكان و أسفله أرض افترشتها امرأة متغضنة الوجه متشققة القدمين متسخة الثياب.. تستند إلى الجدار و تمد قدميها كالدلتا أمامها و تنتحب..

كانت مغمضة العينين لكنها سرعان ما فتحتهما و تطلعت في وجه الساكن الجديد بنظرة تقتل رغم ما تملؤها من دموع..

مرة أخرى ارتد للخلف و كاد يسقط، بينما لم تنزل عيناها من عليه.. ثم فتحت فمها المفتقد لأسنانه تقول: " مش هيرجع.. و الأكل ده مش هياكله.. مش هيرجع"

كلمتها الأخيرة قالتها مقترنة بصرخة مولولة جعلته يقفز للخلف من جديد و هو يصرخ بدوره.. تعرقل و سقط على ظهره.. شعر بالدوار الشديد يكتنفه و روحه تنسحب من جسده.. الظلام يحيطه و يخفت كل شيء حوله..

ينظر الخيّاط بعينه الواحدة من أسفل و يقول: "مفيش فايدة.. و لا عمره هيرجع"

تفتح المرأة البدينة عينيها و قد ارتفع غطيط زوجها الذي نام فارغًا من كل شيء.. تنساب من عينيها دمعتين تبللان وسادتها و هي تقول هامسة: "مش هيرجع يا حبيبتي.."

تلفظ بطنُ الظلامِ الأحدبَ الذي عاد بشطيرة جديدة و هو ينوح:


اللي يروح عمره ما يرجع
و اللي ييجي بيروح
كلهم طلعوا على السلم و منزلوش
و إيه اللي طلعهم فوق
إيه اللي طلعهم فووووووووق

ثم يعود للنواح غير المفهوم..

تنفتح إحدى النوافذ إثر هبّة رياح شديدة فتطير الأوراق و يتدحرج القلم إلى الأرض.. ثم يصمت كل شيء و تختفي الرائحة..


***********

تمت

هناك تعليقان (٢):

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...