دوّر يمكن تلاقي

بحث مخصص

الأربعاء، ٢٧ أبريل ٢٠١١

مبارك الأسير والشعب الشرير



لفت نظري مقال الكاتب "عاطف حسانين" الذي نُشر الأسبوع قبل الماضي بمجلة بص وطل، بعنوان: "مبارك صار أسيرًا لديكم أيها المصريون!"، بما يحمله من دعوة لعدم الشماتة والتسامح مع مبارك بعد القبض عليه لاعتبارات عديدة. وقد استفزني المقال بشدة لكتابة مقالي هذا، ردًا على ما جاء به بعيدًا عن شخص كاتبه ومع كامل الاحترام له ولرأيه ولخير مقصده.

ويمكنكم قراءة مقالة أولا قبل قراءة ردي عليه من هنا

وقد أرسلت الرد لمجلة بص وطل بالفعل، لكنه لم يُنشر، ولذلك رأيت إنزاله هنا كي لا يصبح الموضوع قديمًا:

بداية فإن تقسيم المطالبين بالثأر من مبارك إلى فئتين فقط، فيه الكثير من الظلم والإجحاف لعموم المصريين، حيث صاروا وفقًا لهذا التقسيم إما ذوي قلوب سوداء ولديهم مصالح -كما جاء بالمقال- أو فئة أهالي الضحايا والشهداء، ناسيًا أن غالبية المصريين ليست لديهم مصالح أكبر من "لقمة العيش" التي فقدوها في عصر مبارك، وقلوبهم لن تكون أكثر سوادًا من قلوب من جثموا على أنفاسهم ثلاثين عامًا، فقدنا فيها ما كان سيجعلنا في مقدمة الأمم.

إن فئة أصحاب المصالح ذهبوا مع مبارك، لأن مصلحتهم كانت مع بقائه، بينما مصلحة أبناء مصر هي أن تعلو بلدهم وتزدهر، ويجدوا فيها كرامتهم وحقوقهم الإنسانية، فليس من المعقول أن يصير المصري البسيط صاحب مصلحة، لأنه يطالب بحقه من الطعام والشراب، وما يستره هو وأبناءه في الحياة، فإن حصل على هذه الحقوق صارت لديه الروح اللازمة لتحقيق الإنجازات الحقيقية وليست تلك الإنجازات التي كانت تزدهر في مقالات الصحف القومية في عهدها البائد!

بعد ذلك ينتقل بنا المقال إلى الشماتة التي ظهرت في أعين المصريين، والتشفي الذي زيّن كلماتهم وتعليقاتهم بعد نبأ حبس الرئيس المخلوع خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات، وينتقد الكاتب هذا معللا بذلك أنه ليس وجه مصر المرجو. والحقيقة أنني أعرف تمام المعرفة أنه لا شماتة في مرض أو موت، فإن المرض ابتلاء من الله، والموت له جلاله لأن الإنسان يصير بعده بين يدي الله سبحانه وتعالى، أما القبض على مجرم، أو حبس متهم كثيرًا ما ظلم الناس وأهدر حقوقهم وامتهن كرامتهم وكثيرًا ما أفسد في الأرض والزرع والحرث والنسل، فإن الشماتة فيه بعد معرفة خبر حبسه تعد أبسط وأهون الأمور، ولا يمكن للإنسان أن يخفي سعادته لتطبيق العدالة أخيرًا بعد طول انتظار!!

كذلك يأتي المقال برؤية خاطئة شكلا ومضمونًا، حيث يرى أن أصحاب المصالح وتصفية الحسابات مخطئون في السعي إلى الانتقام، وأنهم يحكمون بإعدام إنسان ميت، وقد اتفقنا في البداية على التعريف بمن هم أصحاب المصالح، وبيان عدم دقتها، لكن أي انتقام هذا الذي يحققه أصحابه عبر ساحات المحاكم وتحقيقات النائب العام؟ أي انتقام في حبس مسؤول ارتكب من الجرائم في حق شعبها مما لا يُعد ولا يُحصى؟ وكيف يمكن أن نرى هذا انتقامًا يثبت أركان الغلّ في صدور المنتقمين، بدلا من أن نراه انتصارًا يشفي غليل المظلومين والمقهورين والمنهوبين في كل شبر من البلاد؟! ثم من هو هذا الإنسان الميت الذي نحن بصدد إعدامه؟ إنه لا يزال حي يرزق، كما أنه لم يُعدم بعد ولم يطالب أحد بإعدامه إلا من خلال محاكمة عادلة، لا ظلم فيها ولا محاباة لأحد، وفي هذا قمة الرقي والتحضر والشرف، لقد قتل مبارك أبناءنا وظلم رجالنا وسرق أموالنا وشرّد أهلنا، هو وأسرته وحاشيته، وهي ليست باتهامات باطلة، ومع ذلك فإننا حين ثرنا عليه قدّمناه للمحاكمة العادلة وفقًا للقانون الذي كان أول من يتجاوزه في البلاد، بدلا من أن نقدمه للمقصلة وفقًا لقانون الغاب، مرحى بالانتقام إذن إن كان على هذه الشاكلة!

ناهيك عن الأمثلة التي ليست في محلها مثل موقف الرسول عليه الصلاة والسلام من جنازة اليهودي الذي يناصبه العداء، وهو ما يختلف عن موقف مبارك معنا تمامًا، فهذا الأخير لم يمت بعد، ومن أبسط حقوقنا أن يُحاكم، وأولئك الأصدقاء المسلمين الذين قلت عنهم أنهم يضيقون به ويتوعدون له، ليسوا قتلة مأجورين ولا زعماء عصابات، بل يضيقون بظالم متجبّر، ويتوعدون له بالمحاكمة والسجن في حالة الإدانة، ودعنا ننتظر حتى وفاة مبارك، التي أدعو الله أن يؤخرها حتى يصبح عبرة وعظة لكل من سلك مسلكه، ولنر كيف سنتعامل معه وقتها، وهل سنقتدي بالرسول الكريم؟ أم سنكون مثل وحوش الغابة وننقض عليه لنمزق جثته؟

مبارك ليس أسيرنا كما جاء في مقالك زميلي العزيز، بل يقضي فترة حبسه المؤقت في مستشفى ويلقى الرعاية الصحية الواجبة ويتناول طعامه وشرابه، وهذه هي حقوقه التي لم يطالب أحد بمنعها عنه، مع العلم أن أحدًا لا يعذبه ولا يكهربه ولا يُدخل العصا في مؤخرته أو يكيل له الصفعات، مثلما دأب رجال أمنه على معاملة أبناء الشعب الذي تطالبه الآن بالتسامح.

مبارك ليس أسيرنا ولسنا شعبًا شريرًا يبتغي الانتقام بشريعة الغاب، بل كانت مصر أسيرته التي خرجت من سجنها بعد طول انتظار، وإن كنت تسامحه -رغم أنه لم يبادر بالاعتذار لك ولا لنا- فهذا موقفك الشخصي، لكن قبل أن تطالب به أحدًا غيرك، فعليك أن تسأل مصر أولا إن كانت تسامحه، اسأل ضحايا العبّارة في بطون الأسماك وأهالي الدويقة المعجونين بالصخور وركاب القطار المتفحمين، اسأل خالد سعيد ومريم فكري وسيد بلال، ثم أبلغنا ماذا سيكون ردهم، وإن كان من الأفضل أن توفر عناء السؤال لأن الإجابة معروفة سلفًا.

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...