دوّر يمكن تلاقي

بحث مخصص

السبت، ١٥ يناير ٢٠١١

الــــثــــــورة ودرس أن تكون إيجابيًا




كنت أتابع الأحداث التونسية منذ البداية في صمت.. وربما بعدم حماس، والسبب المعروف أننا فقدت الأمل في أي أحداث تجري بين أي شعب وحكومته.. خرجنا من قبل في 6 أبريل وفي وقفات احتجاجية لخالد سعيد ولضحايا كنيسة القديسين وللسيد بلال.. والنتيجة؟

لا شيء يذكر ما عدا ضرب وسحل وصراخ ولعاب متطاير، ثم سكوت.. نفسنا قصير للأسف.. والأهم أن الصوت لا يصل للكثيرين.. كنا ننزل في وقفات خالد سعيد علىا لكورنيش فأجد السيارات في الشارع بها أضعاف ممن يقفون على الكورنيش.. النسبة المشاركة قليلة للغاية بالمقارنة مع راكبي السيارات والمواصلات بشكل عام.. الناس يشاهدون من نوافذ الأوتوبيسات ويلتقطون الصور فقط.. 

مع ذلك كنت أرى نقطة إيجابية في الأمر.. أن هذه طريقة جيدة لوصول الصوت لهؤلاء الراكبين..

المهم أن كل هذه الأسباب جعلت متابعتي للمواجهات في تونس متابعة عادية لأية أخبار أخرى، حتى فوجئت بأن الأمر صار جديًا.. هناك شباب يُقتل على يد الشرطة، وبمناسبة الشرطة فيبدو أنهم يتشابهون في العقلية الغبية والغشامة في كل الدول العربية تقريبًا.. بل إنهم بنفس الزي الأسود والخوذات الواقية مع الأمن المركزي لدينا.. وكأنهم خرجوا جميعًا من مصنع واحد..

أعود لأقول أنني فوجئت بشباب يقتل بالعشرات ومواجهات دامية حقيقية، ليست فقط مجرد سحل وضرب وسوقوط قتيل واحد.. بل عشرات وبالرصاص الحي.. ثم توالت الأخبار بعد ذلك.. الجيش يدافع عن المواطنين.. رئيس أركان الجيش لا يرضخ لأوامر الرئيس باستخدام القوة ضد المتظاهرين فتتم إقالته.. الجيش ينتشر في الشوراع ويحمي المباني الحيوية في الدولة.. الرئيس التونسي -أيام ما كان لسه رئيس- يخرج في التليفزيون مرة ثانية بعد خطاب أول متكلف أزاد من نيران الثورة الشعبية، ليقول في خطابه الثاني أنه يرضخ لطلبات الشعب.. في مشهد لا يمكن أن ينساه أحد ممن عاصر هذه الفترة التاريخية عن حق.. وهو يصيح بكل خوف، وإن رسم ابتسامة على شفتيه فشلت في مداراة خوفه وارتجافه، أنه فهم وأنه سيطلق الحريات ويلغي الرقابة ويخفض الأسعار.. وإن كانت هذه الكلمات ليست لها أية مردود لأنها جاءت بتعبيرنا المصري: بعد الهنا بسنة..

شاهد الفيديو:


ثم أغيب عن مصادر الأخبار يوم الجمعه وقد كانت آخر الأخبار أن الشعب التونسي سيزحف يوم الجمعه على القصر الرئاسي ويقوم بإضراب عام.. ومع ذلك تخوفت من أن هذه الأمور ليست بهذه السهولة.. المواجاهت ستكون دموية أكثر.. ولن يتمكنوا من الوصول للقصر.. هي سايبة؟ هو في رئيس في هذا الزمن ممكن لأي غنسان الاقتراب من قصره إلا وتحول لغبار ذري في لحظة واحدة؟

لكنني حين عدت مع الدقائق الأولى من صباح السبت حتى فوجئت أن المعجزة تحققت.. خفق قلبي بعنف وأنا أقرأ أول خبر طالعته عيناي: الرئيس التونسي يفر هاربًا وطائرته لا تجد محطة تهبط فيها.. ساركوزي يرفض نزوله.. مالطا ترفض.. 

لم أصدق عيناي وأخذت أفتح بقية المواقع الإخبارية لأجد أن المعجزة تحققت بالفعل، الشعب التونسي انتصر.. لم يكن حزبًا من انتصر ولم تكن جماعة من الناس.. بل الشعب بأكمله.. أشاهد الفيديوهات المنتشرة على الفيس بوك.. أسمع ذلك الشاب الذي يسير في شوارع تونس صارخًل: "تونس حرة.. الكلب هرب.. الشعب التونسي حر.." فيقشعرّ بدني وتمتلئ عيني بالدموع..

أجري وأفتح قناة الجزيرة صائحًا في أسرتي المجتمعة: الرئيس التونسي هرب من شعبه.. 

يقفزون على أطراف مقاعدهم من الإثارة وعلى وجوههم جميعًا فرحة طاغية، لسقوط طاغية.. ثم بدأوا في الحديث بعد أن انفكت عقدة ألسنتهم.. منهم من يمطر الشعب التونسي بألقاب العزة والكرامة والشجاعة.. ومنهم من يدعو الله أن يلحق به كل من هم على شاكلته.. بدءًا برئيس مصر متبوعًا ببقية الرؤساء الذين خذلونا طوال السنين الماضية..

قرأت مقالا إيهاب عمر على الفيس بوك يقول فيه:
هل ثار الشعب التونسي من أجل حرية الأحزاب ؟؟
من أجل الديموقراطية ؟؟
من أجل أنتخابات رئاسية يترشح خلالها أكثر من مرشح ؟؟
لم يحدث .. و لكن ما حدث أن الشعب التونسي ثار منذ البداية و حتى النهاية من أجل البطالة ..
من أجل الفساد الذى جعل جوقة من الحاشية الرئاسية تستولى على كل خيرات البلاد ..
من اجل من لم يرحم و يتركهم فقراء و جوعى و مساكين ..
مطالب أجتماعية و معيشية خالصة .. بينما المعارضة التونسية و المثقفين فى تونسي مثلهم مثل نظراهم فى باقى الدول العربية يتحدثون عن حزمة من المطالب الليبرالية التى لا علاقة لها بالشعب ..
وأجدني متفق معه تمامًا.. معركة الشعب الحقيقية يجب أن تكون من أجل حياة كريمة ومستقبل مضمون وكرامة مفقودة.. لا أن تكون من أجل أهداف مؤقتة أو مطالب ليست مطالبه الحقيقية.. بل إن معركة الشعب الحقيقية هي الإيجابية والشجاعة والثقة.. المشكلة أن هناك الكثيرين الذين أحبطوا من كثرة الظلم وتفشي الفساد لدرجة أنهم اعتقدوا باستحالة التغيير والثورة.. كذلك الخوف قد تمكن منالقلوب، ولا أقول الجبن.. بل الخوف بمختلف أشكاله.. خوف من المستقبل.. خوف من نزولي المظاهرات فأعتقل وتتبهدل أسرتي من بعدي.. خوف من تعذيبي وقتلي وأنا أعلم أنه لا أحد سيأتي لي بحقي.. بل ربما أجد نفسي متهمًا بالتحرش والإتجار في المخدرات والخلل العقلي.. وهذا ينقلنا لنقطة انعدام الثقة.. لم يعد أحدنا يثق في الآخر.. قل لأحدهم هيا ننزل للوقفة الاحتجاجية.. سيخبرك أنه لا أحد سينزل.. "ياعم أنا هنزل وأنت هتنزل بس هتلاقينا إحنا الاتنين بس اللي هناك" وهلم جرا..

الثورة التونسية علمتنا الدرس.. علمتنا ألا نخاف من أحد.. من معه سلاح فهو أجبن من أن يواجهني بدون سلاحه.. ومن حوله عساكره وجنوده سيكون أقرب للكلب وهو وحده وجهًا لوجه مع من يواجههم.. علمتنا أن سقوط واحد لا يعني الفرار.. بل سقوط شهيد يعني أن له حق يجب إرجاعه.. حتى لو سقط عشرة.. عشرين.. مئة.. لا يزال هناك ملايين..

الآن انتصر الشعب التونسي.. فمتى تنتصر بقية الشعوب؟

هناك تعليق واحد:

زكي الأخضر - كاتب في التحليل السياسي يقول...

السلام عليكم
نكتب لكم رغبة في أن نعرفكم علينا:
نحن فئة من المسلمين ذات اتجاه وبعد سياسي وعقدي واضح بعيداً عن الغموض، ندعو إلى قراءة الواقع ومعاينة الحقائق بعيداً عن التضليل الإعلامي، ولدينا موقع يهتم بتنمية مهارات فقه الواقع والتحليل السياسي، العمق نت:
http://www.al3umq.net/

نعتذر عن إرسال الرسالة إليكم في التعليقات، لأنه لا يوجد نموذج مراسلة في مدونتكم.
نرجو أن ترسل إلينا عنوان بريدك لنرسل لك كل أسبوع أقوى موضوعاتنا.
مع أطيب التحيات ...
زكي الأخضر
محرر الموقع

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...